Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتوحات والدولة الأموية والعباسية
الفتوحات والدولة الأموية والعباسيةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

ركوب البحر: أم حرام بنت ملحان وغزوة قبرص وذات الصواري

أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

— حديث النبي ﷺ عن ركّاب البحر — روى البخاري في صحيحه ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ دخل على أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها، وهي خالة أنس، فاتكأ عندها ثم ضحك، فسألته، فقال: «ناس من أمتي عُرضوا عليّ غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر ملوكًا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة». فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها. ثم نام فاستيقظ يضحك، وقال مثل ذلك مرة ثانية، فسألت أن تكون منهم، فقال: «أنت من الأولين، ولست من الآخرين». وفي رواية أن ذلك في بيتها وأنها كانت تفلي رأسه، وهذا جزء من الحديث الصحيح. والحديث متفق عليه في الجملة.

— من هي أم حرام — هي أم حرام بنت ملحان بن خالد الأنصارية الخزرجية، خالة أنس بن مالك رضي الله عنه، وكانت زوجة عبادة بن الصامت رضي الله عنه. وتذكر كتب الصحابة أنها كانت من أهل المدينة المعروفين بالتقوى، وأن النبي ﷺ كان يزورها ويقيل عندها لأنها كانت من محارمه من جهة الرضاعة أو النسب، على ما بينه العلماء في شرح الحديث. وقال النووي في شرح مسلم ما حاصله أنها كانت محرمًا له، ولذلك جاز ذلك.

— إذن عثمان بالبحر — كانت للمسلمين خشية من ركوب البحر لأن الروم يسيطرون عليه ولأن العرب لم يكونوا أهل بحر. وتذكر كتب التاريخ، ومنها تاريخ الطبري والكامل، أن معاوية رضي الله عنه، وكان واليًا على الشام في عهد عثمان رضي الله عنه، استأذن في غزو البحر، وأن عمر رضي الله عنه كان قد منعه خوفًا على المسلمين، فلما ولي عثمان أذن له، واشترط عليه أن لا يُكره الناس، بل يختار من يتطوع. وهذه الرواية مشهورة في كتب التاريخ، ويؤيد معناها أن الغزو البحري بدأ في خلافة عثمان.

— غزوة قبرص — في سنة 28هـ، على أرجح الروايات (وقيل 27 أو 33)، خرج معاوية بأسطول من سواحل الشام إلى جزيرة قبرص، ومعه عدد من الصحابة، ومنهم عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام، وأبو ذر، وأبو الدرداء وشداد بن أوس رضي الله عنهم في بعض الروايات. وفتح المسلمون الجزيرة وصالحوا أهلها على مال يؤدونه. وتذكر بعض الكتب أنهم كانوا يؤدون سبعة آلاف دينار في السنة، وأنهم كانوا يؤدون مثلها للروم، وهي رواية البلاذري. ولا نعتمد الرقم على سبيل القطع.

— وفاة أم حرام — روى البخاري في الحديث نفسه أن أم حرام ركبت البحر مع زوجها عبادة بن الصامت في زمن معاوية، فلما خرجت من البحر قُرِّبت لها دابتها لتركبها فصرعتها فماتت. وهذا في الحديث عن أنس بن مالك: «فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمان معاوية، فصُرعت عن دابتها حين خرجت من البحر، فهلكت». وقد دُفنت في الجزيرة، ويُعرف قبرها في قبرص (قرب لارنكا) منسوبًا إليها، ويزوره الناس ويسمى تكية أم حرام. ولا نقطع بصحة نسبة القبر، لأن بعض أهل العلم ذكروا أنها دفنت حيث ماتت وقد يكون المكان مجهولًا. وقد فهم العلماء من هذا أنها من الأولين الذين غزوا البحر، فتحققت بشارة النبي ﷺ.

— الأسطول الإسلامي — بعد قبرص نما الأسطول الإسلامي بسرعة، فأنشئت دور صناعة السفن في الشام ومصر. وفي سنة 34هـ (أو 31هـ على بعض الروايات) وقعت معركة ذات الصواري بين أسطول المسلمين بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح رضي الله عنه وأسطول الروم بقيادة الإمبراطور قنسطانز الثاني (المسمى قسطنطين في المصادر العربية) قرب سواحل الأناضول (ساحل ليكيا). وسميت ذات الصواري لكثرة صواري السفن في الجانبين. وتذكر الروايات أن المعركة كانت عنيفة، وأن الروم قيّدوا سفنهم بعضها ببعض فصارت المعركة كقتال بري على ظهور السفن، وانتصر المسلمون، وفرّ الإمبراطور. وتتفاوت الأعداد في المصادر وتبلغ عند بعضها خمسمئة سفينة للروم، وهي أرقام غير مؤكدة.

— عبادة بن الصامت زوج أم حرام — كان زوجها عبادة بن الصامت الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه من كبار الصحابة، شهد العقبة وكان أحد النقباء الاثني عشر، وشهد بدرًا وسائر المشاهد. وتذكر كتب التراجم أن عمر رضي الله عنه أرسله إلى الشام مع معاذ بن جبل وأبي الدرداء رضي الله عنهم ليعلّموا الناس القرآن والفقه، فأقام في الشام، وكان فيها قاضيًا في فلسطين على بعض الروايات. وتوفي سنة 34هـ على الأرجح، وقيل بعد ذلك، في الرملة أو بيت المقدس. وقد ثبت في صحيح مسلم أنه أنكر على معاوية رضي الله عنه حين رآه يبيع شيئًا من الذهب أو الفضة بخلاف ما سمعه من النبي ﷺ، وتمسك بما سمعه ولم يخف في ذلك أحدًا. وفي هذه الرواية أن عبادة قال إنه لن يساكنه بأرض واحدة بعد ذلك، فرجع إلى المدينة وشكا إلى عمر، فأمره عمر بالعودة وكتب إلى معاوية ألا إمرة له عليه. وهذا الخبر يبين شخصية زوج أم حرام، وأنه ممن لا تأخذهم في الحق لومة لائم.

— الفقه والدروس — يستفاد من حديث أم حرام فضل الجهاد في البحر، وقد رُوي في فضل شهيد البحر أحاديث في كتب السنن ضعّفها كثير من أهل العلم، ولذلك لا نعتمدها، ونكتفي بالحديث الصحيح. وفي القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ في سورة الإسراء.

— وقفة — قصة أم حرام تُظهر أن المرأة المسلمة كانت حاضرة في الجهاد خدمةً ومشاركة ضمن ما تسمح به الشريعة، فقد كانت النساء يداوين الجرحى ويسقين المقاتلين، وفي الحديث بشارة عظيمة لمن أرادت الخير. وقد ماتت أم حرام بعد أن خرجت من البحر، فكانت موتتها شهادة بحسب فهم العلماء للحديث، والله أعلم.

العبرة

تحققت بشارة النبي ﷺ في ركوب البحر بجهد الصحابة، وللمرأة المسلمة حضور في الخير والجهاد ضمن ما تسمح به الشريعة.

المصدر: صحيح البخاري وصحيح مسلم: حديث أنس بن مالك عن أم حرام بنت ملحان (كتاب الجهاد، باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء)، شرح النووي على مسلم، فتوح البلدان للبلاذري، تاريخ الطبري، الكامل لابن الأثير؛ والقرآن الكريم: سورة الإسراء (تسخير الفلك).

الدرجة: حديث أم حرام ثابت في الصحيحين؛ وغزوة قبرص وذات الصواري ثابتتان في كتب التاريخ مع اختلاف في السنوات والأعداد، وحديث شهيد البحر المنسوب في السنن ضعيف ولا نعتمده، ونسبة القبر في قبرص غير مقطوع بها.