Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتوحات والدولة الأموية والعباسية
الفتوحات والدولة الأموية والعباسيةموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

الدعوة العباسية: من الحميمة إلى مرو، وكيف صنع أبو مسلم الراية السوداء

أبو مسلم الخراساني

— الحميمة ونشأة الدعوة — يذكر المؤرخون أن الدعوة العباسية بدأت في بلدة الحميمة من أرض الشراة جنوب الأردن اليوم، حيث كان يقيم علي بن عبد الله بن عباس وأولاده. وتذكر الروايات أن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس (الإمام) بعث دعاته إلى العراق وخراسان نحو سنة 100هـ، وأن الدعوة كانت سرية تقوم على فكرة الرضا من آل محمد، دون ذكر اسم مرشح معين في البداية. وقد استغل الدعاة الاستياء من بني أمية، والتنازع بين القبائل العربية (قيس ويمن) في خراسان، وظلم الولاة، وشكوى الموالي (غير العرب المسلمين) من التفرقة.

— في ميزان الصحة — ومما يجب التنبيه عليه أن الدعاية العباسية أحاطت أصل الدعوة بروايات يصعب التحقق منها، مثل ما يقال من وصية أبي هاشم بن محمد بن الحنفية بالإمامة لمحمد بن علي، وعن طرق انتقال الأمر. وهذه الأخبار مصدرها الدعاة والمؤرخون المقربون من الدولة، ويرفضها الشيعة، ولا نملك ما نفصل به فيها، فنكتفي بالقول إن الدعوة قامت باسم أهل البيت وإن تفاصيل السند الداخلي مختلف فيها.

— النقباء ونظام السرية — تذكر كتب التاريخ، ومنها الطبري وأخبار الدولة العباسية، أن الدعاة نظموا في خراسان اثني عشر نقيبًا وسبعين رجلًا، على مثال ما كان في بيعة العقبة، وأن الدعوة كانت تتخفى بالتجارة والحج. ومن أشهر الدعاة بكير بن ماهان وسليمان بن كثير ولاهز بن قريظ وقحطبة بن شبيب الطائي. ثم مات محمد بن علي سنة 125هـ، وتولى ابنه إبراهيم الإمام. وكان أبو سلمة الخلال في الكوفة وزير آل محمد.

— أبو مسلم — أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم الخراساني شخصية غامضة النسب، فقيل إنه فارسي، وقيل إنه من موالي بني العباس، وقيل غير ذلك. وقد اختاره إبراهيم الإمام ليقود الدعوة في خراسان وأرسله سنة 128هـ، وهو في سن الشباب، فأمره أن يتخذ خراسان مركزًا.

— إعلان الثورة — في رمضان سنة 129هـ (يونيو 747م) أعلن أبو مسلم الثورة في قرية سفيذنج قرب مرو، ورفع الرايات السوداء. وتذكر الروايات أنه قُرئ على الناس قول الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ من سورة الحج، وتعد هذه الآية من أوائل ما نزل في الإذن بالقتال. وكان في خراسان آنذاك والي بني أمية نصر بن سيار، وهو شيخ كبير وإداري ناجح، لكنه كان يواجه انقسامًا بين العرب، فقد ثار عليه الحارث بن سريج وجديع الكرماني. وقد استفاد أبو مسلم من هذا الانقسام.

— من مرو إلى العراق — دخل أبو مسلم مدينة مرو سنة 130هـ، وهرب نصر بن سيار، ثم مات في الطريق قرب ساوة سنة 131هـ. وأرسل أبو مسلم القائد قحطبة بن شبيب الطائي بجيش غربًا، فانتصر على جيوش بني أمية في جرجان ونهاوند وغيرهما، حتى وصل إلى قرب الكوفة. ومات قحطبة في إحدى الوقائع قرب الفرات، وقيل إنه غرق وقيل إنه قتل، وتولى ابنه الحسن بن قحطبة. وتذكر الروايات أن المسلمين العباسيين عبروا إلى الكوفة في المحرم سنة 132هـ.

— مصير إبراهيم الإمام — كان إبراهيم الإمام قد قبض عليه مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، وسجنه في حران، وتوفي في السجن سنة 131هـ أو 132هـ، وتختلف الروايات في سبب موته، فقيل مات بالطاعون، وقيل قتل خنقًا أو بسم أو بهدم جدار عليه. ولا نملك دليلًا على أحدها. وأوصى بالأمر إلى أخيه أبي العباس عبد الله بن محمد، فانتقل أبو العباس وأهله إلى الكوفة.

— الحوادث التالية — انتهت الدعوة بسقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية، كما سنرى في قصة الزاب. ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أن الدعوة جمعت تحت رايتها فئات متفاوتة: عربًا ومواليَ وفرسًا، ومنهم من كان يتطلع لإقامة العدل، ومنهم من كانت له أغراض أخرى، وهذا يفسر لاحقًا اختلاف الأحوال بعد الثورة، وتخلص أبي جعفر المنصور من أبي مسلم.

— الأوضاع التي مهدت للثورة — من المهم أن نفهم لماذا نجحت الدعوة في خراسان. ففي العقود السابقة كان الموالي في الأقاليم الشرقية يشتكون من بقاء الجزية على بعضهم بعد إسلامهم، ومن قلة العطاء، فخفف عمر بن عبد العزيز رحمه الله هذه المظالم، لكن من جاء بعده لم يستمروا على سيرته في الجملة. ثم دخلت الدولة الأموية في اضطراب شديد بعد وفاة هشام بن عبد الملك سنة 125هـ: فقُتل الوليد بن يزيد سنة 126هـ، وتولى يزيد بن الوليد الذي توفي بعد أشهر، ثم تولى مروان بن محمد سنة 127هـ بعد صراع، وانشغل بقتال الخوارج وبثورات في الشام نفسها. فكان الجو مهيأ، وقد كتب المؤرخون أن الضعف جاء من الداخل قبل أن يأتي من الخارج.

— أبو سلمة الخلال — كان أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال، وزير آل محمد في الكوفة، في مركز مهم أثناء الأحداث. وتذكر كتب التاريخ أنه تردد في أمر البيعة حين وصل العباسيون إلى الكوفة، وأن الدعاة قدموا أبا العباس خليفة، وأن أبا سلمة قُتل بعد ذلك بأشهر بأمر من الدولة الجديدة. وتختلف الروايات في أسباب مقتله، وبعضها يتهمه بأنه كان يميل إلى تولية أحد العلويين، ولا نجزم بأي منها، وهي مثال على أن الدعوة التي قامت بشعار الرضا من آل محمد انتهت إلى انحصار الأمر في بيت العباس.

— وقفة — العدل هو المطلب الأعظم، وقد جاء في الحديث: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور» رواه مسلم. غير أن الثورات تحمل في طيّها مفاسد كثيرة، من سفك دماء المسلمين، ولذلك كان كثير من العلماء يحذرون من الخروج على الحاكم إذا ترتب عليه ضرر أكبر، وهو أصل مقرر عند أهل السنة، فلا نذكر ما جرى تمجيدًا للدماء، بل عبرة.

العبرة

الظلم والتفرقة وانقسام القبائل تمهّد للثورات، لكن الثورات تسفك دماء المسلمين، وللعدل في الحكم أثر لا تعوضه الشعارات.

المصدر: تاريخ الطبري (أحداث سنوات 100-132هـ)، الكامل لابن الأثير، البداية والنهاية لابن كثير، أخبار الدولة العباسية؛ وحديث «إن المقسطين عند الله على منابر من نور» رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو؛ والقرآن الكريم: سورة الحج (آية الإذن بالقتال).

الدرجة: قيام الدعوة العباسية وثورة أبي مسلم سنة 129هـ ثابتة في كتب التاريخ؛ أما الأحاديث الداخلية عن الوصية بالإمامة وأقوال الإمام في أبي مسلم وسبب موت إبراهيم الإمام فمروية من مصادر مقربة من الدولة ولا يوثق بها.