Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتوحات والدولة الأموية والعباسية
الفتوحات والدولة الأموية والعباسيةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

معركة الزاب الكبير: كيف سقطت الدولة الأموية وقامت الدولة العباسية

مروان بن محمد وعبد الله بن علي والسفاح

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

— البيعة في الكوفة — بعد أن دخلت الجيوش القادمة من خراسان الكوفة في المحرم سنة 132هـ، بايع الناس أبا العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بالخلافة في شهر ربيع الأول من السنة نفسها (تشرين الثاني/ نوفمبر 749م)، وخطب في مسجد الكوفة. وتذكر كتب التاريخ، ومنها الطبري، أنه حمد الله وأثنى عليه وذكر قرابتهم من رسول الله ﷺ، وأنهم أحق بالأمر، ووعد الناس بالعدل والعطاء. ومن العبارات المشهورة التي تُنسب إليه في خطبة له: إني أنا السفاح المبيح والثائر المبير، وبها اشتهر بلقب السفاح. وهذه العبارة وردت في كتب التاريخ ولا نملك إسنادًا قويًّا لها، وهي تعبّر عن روح المرحلة أكثر مما تعبّر عن سيرة ثابتة.

— مروان بن محمد — كان آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، ويلقب بالجعدي نسبة إلى شيخه الجعد بن درهم، وبحمار الجزيرة لأنه كان صبورًا في الحروب على ما ذكر المؤرخون. وكان قائدًا عسكريًّا ماهرًا، تولى الخلافة سنة 127هـ بعد اضطراب كبير، وقاتل الخوارج وثورات الشام، فاستنزف قوته. وحين أقبلت الجيوش العباسية كان في حران في الجزيرة الفراتية، فجمع جيشه وسار لملاقاتهم.

— الزاب — التقى الجيشان على نهر الزاب الكبير، وهو رافد لنهر دجلة في شمال العراق، يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة 132هـ (25 يناير 750م). وكان قائد الجيش العباسي عبد الله بن علي، عم السفاح، أرسله أبو العباس لمواجهة مروان. وتذكر الروايات أن جيش مروان كان أكبر عددًا، فيذكر الطبري أنه مئة وعشرون ألفًا، وأن جيش عبد الله كان أقل منه بكثير، لكن الأرقام في هذه الأخبار تقريبية وفيها مبالغة ظاهرة.

— الهزيمة — دارت المعركة بين الجيشين، وانتهت بهزيمة جيش مروان، فتراجعت الصفوف ثم غلبت الفوضى، وغرق من الجنود عدد كبير في النهر. وتفسر المصادر ذلك بأسباب: منها ضعف الانضباط في جيش مروان وتنوع ولاءات أفراده بين قبائل متخاصمة، ومنها حماس جيش العباسيين وتصميمهم. غير أن تفاصيل المعركة نفسها مختلفة بين الرواة ولا نملك ما نرجح به. والمتفق عليه أن مروان هُزم هزيمة ساحقة وأن جيشه تفرق.

— فرار مروان — فرّ مروان من ميدان المعركة إلى الموصل ثم حران ثم حمص ودمشق، وتتابع الجيش العباسي في طلبه. ودخل عبد الله بن علي دمشق في رمضان سنة 132هـ بعد حصار قصير، وتذكر الروايات أن أهلها دافعوا عنها قليلًا. ثم اتجه مروان إلى فلسطين فمصر، وتبعه صالح بن علي، أخو عبد الله، حتى أدركه في بوصير من قرى الصعيد في ذي الحجة سنة 132هـ، وقُتل هناك وأرسل رأسه إلى السفاح. وبمقتله انتهت الدولة الأموية في الشرق.

— الانتقام من بني أمية — تذكر كتب التاريخ، ومنها الطبري، أحداثًا مؤلمة بعد سقوط الدولة، منها أن عبد الله بن علي دعا ثمانين رجلًا أو أكثر من بني أمية إلى وليمة عند نهر أبي فطرس في فلسطين وأمر بقتلهم، وأن القبور أُخرجت وأُحرق بعض أصحابها، ومنها جسد هشام بن عبد الملك الذي وجدوه لم يبل فجلدوه وأحرقوه، على ما يروى. وهذه الأخبار مشهورة في الكتب، لكن الأسانيد فيها مفقودة أو ضعيفة، وقد نبّه بعض الباحثين إلى أن كتّاب الأخبار في العصر العباسي كان عندهم ميل إلى التنفير من بني أمية. ومع ذلك فسفك الدماء بعد الظفر معروف في الجملة، ولا نبرره.

— موقف الشرع من الدماء — قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا». وليس في الإسلام إباحة الانتقام من أحفاد الخصوم ولا من الأموات، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ في سورة الأنعام. فلا يمكن أن نمدح تلك الوقائع إن صحت، بل نحذر منها.

— الناجي الوحيد — من بين من نجا من بني أمية الأمير الشاب عبد الرحمن بن معاوية الذي هرب إلى المغرب ثم الأندلس وأسس هناك الإمارة الأموية (انظر قصته). وهذا يظهر أن أخبار القتل العام قد لا تكون شاملة، وأن الأمويين لم ينقرضوا.

— أسباب السقوط عند المؤرخين — يذكر المؤرخون أسبابًا عدة لسقوط بني أمية، منها: الخلافات القبلية بين القيسية واليمانية، وضعف الخلفاء في السنوات الأخيرة وكثرة الاضطرابات بعد هشام، وثورات الخوارج، ونقمة الموالي في خراسان، ودعاية العباسيين المنظمة. وهذه الأسباب مجتهد فيها، وهي ليست نصوصًا قاطعة، لكن الدارس يرى فيها سنن الله في الأمم، كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ في سورة آل عمران.

— انتقال مركز الخلافة — بقيام الدولة العباسية انتقل مركز الخلافة من الشام إلى العراق، وبقيت الخلافة العباسية قرونًا، حتى سقطت بغداد في يد المغول سنة 656هـ. ومن اللطيف أن نتذكر أن الأمويين الذين سقطت دولتهم في الشرق أقاموا دولة أخرى في الأندلس بعد سنوات قليلة، فكان في الدولتين فصول متعددة من تاريخ المسلمين.

— وقفة — لا ينبغي أن نقرأ هذه الأحداث بعين التشفي في أحد الفريقين؛ فالأمويون قدموا للإسلام فتوحات عظيمة وسقط في دولتهم عدد من الأخطاء، والعباسيون أقاموا حضارة عظيمة وسفكوا في قيامها دماء. والمطلوب هو الإنصاف.

العبرة

تسقط الدول بالانقسام الداخلي والظلم وضعف القيادة، وهي سنن الله في التداول؛ ولا يجوز التشفي ولا إباحة دماء المسلمين بالانتقام.

المصدر: تاريخ الطبري (أحداث سنة 132هـ)، الكامل لابن الأثير، البداية والنهاية لابن كثير، مروج الذهب للمسعودي؛ والقرآن الكريم: سورة المائدة، الأنعام، آل عمران؛ وصحيح البخاري: حديث ابن عمر «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا» (كتاب الديات).

الدرجة: معركة الزاب ومقتل مروان في بوصير وقيام الدولة العباسية سنة 132هـ ثابتة في كتب التاريخ؛ أما الأرقام وخطبة السفاح وأخبار مجزرة نهر أبي فطرس ونبش القبور فمشهورة في كتب العباسيين ولا إسناد قويًّا لها وفيها ميل ظاهر للتشنيع.