Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتوحات والدولة الأموية والعباسية
الفتوحات والدولة الأموية والعباسيةموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

نهاية صانع الدولة: مقتل أبي مسلم الخراساني بأمر المنصور

أبو مسلم الخراساني وأبو جعفر المنصور

— وفاة السفاح وولاية المنصور — توفي أبو العباس السفاح في ذي الحجة سنة 136هـ في الأنبار بالعراق، بعد حكم نحو أربع سنين، وتولى أخوه أبو جعفر عبد الله بن محمد، المعروف بالمنصور. وكان المنصور وقتها في طريقه إلى الحج، ومعه أبو مسلم الخراساني، على ما ذكر الطبري. فلما بلغه الخبر بايعه أبو مسلم، وأقبل في الركب إلى العراق. وتذكر الروايات أنه كان بين الرجلين، منذ تلك الأيام، شيء من التوتر، فقد كان أبو مسلم قائد الجيش الذي أقام الدولة، وكان المنصور يرى أنه ينبغي أن يكون الخليفة وحده صاحب القرار.

— ثورة عبد الله بن علي — في تلك السنة نفسها ثار عبد الله بن علي، عم المنصور، وكان قد فتح الشام، وادعى أن السفاح وعده بولاية العهد إن انتصر على مروان. وتولى المنصور قتاله، فأرسل أبا مسلم لمواجهته. فانتصر أبو مسلم عليه في نصيبين سنة 137هـ، وفرّ عبد الله إلى البصرة. ويرى بعض الدارسين أن المنصور أراد بهذا القرار أن يشغل خصمين أحدهما بالآخر، وهذا تحليل لا نقطع به.

— الخلاف على الغنائم — بعد الانتصار، أرسل المنصور رجلًا من أتباعه هو أبو الخصيب (مرزوق) ليجرد الغنائم في معسكر عبد الله بن علي، فغضب أبو مسلم، وذكر الطبري أنه قال ما معناه: أأؤتمن على الدماء ولا أؤتمن على الأموال؟ ورحل نحو خراسان، وكان هذا إيذانًا بالقطيعة. وهذه الجملة تروى في كتب التاريخ بصيغ مختلفة، ولا نملك إسنادًا قويًّا لها.

— الرسائل والمراوغة — تذكر كتب التاريخ أن المنصور كتب إلى أبي مسلم رسائل بعضها شديد وبعضها لين، يدعوه إلى الحضور ويغريه بولاية الشام ومصر، ويحذره من المخالفة. وأن أبا مسلم ردّ بعبارات فيها عتاب وتهديد، وبدأ باسمه قبل اسم الخليفة، وهو ما عدّه المنصور تجاوزًا. وتذكر الكتب أن أبا داود خالد بن إبراهيم، نائب أبي مسلم في خراسان، نصحه بالرجوع إلى المنصور، وقيل إن من نصحه بعدم الذهاب إليه بعض أنصاره. وهذه المراسلات منقولة عن رواة قريبين من البلاط العباسي، ولذلك يغلب عليها الميل لتبرير المنصور.

— اللقاء الأخير — حضر أبو مسلم في النهاية إلى المنصور في الرومية قرب المدائن في شعبان سنة 137هـ، ثم كان العتاب، وعدّد عليه أمورًا منها مخالفته أمره وسيره إلى خراسان، وتقديمه اسمه على اسم الخليفة في الكتابة، وخطبته آمنة بنت علي بن عبد الله بن عباس. وتروي الكتب حوارًا طويلًا بينهما، فيه كلمات جارحة، ثم أشار المنصور إلى حرسه فقتلوه. ونحن نترك تفاصيل الحوار لأننا لا نملك سندًا ثابتًا لها، وإنما نذكر أنه قتل غدرًا على يد الخليفة في مجلسه، وهذا ما تتفق عليه الروايات.

— ما بعد القتل — أدى قتل أبي مسلم إلى اضطراب في خراسان، فثار أنصاره مثل سنباذ المجوسي في نيسابور سنة 137هـ، وطالب بدمه، ثم ثارت فرق متعددة. فأرسل المنصور جيوشًا لإخمادها. وتختلف الكتب في وصف دين سنباذ وأتباعه، وفي بعض الروايات أنهم خلطوا بين التشيع ومعتقدات فارسية قديمة، ولا نملك تفصيلًا موثقًا. ثم ظهرت الراوندية سنة 141هـ، وهي فرقة غالية تقول بتناسخ الأرواح، فهاجمت قصر المنصور، وهذا من أسباب انتقاله لاحقًا إلى بغداد.

— الحكم على الرجل — اختلف الناس في أبي مسلم. فمن المؤرخين من يمدحه لجهده في إقامة الدولة، ومنهم من يذمه لكثرة ما سفك. وتروي الكتب أنه قال إنه قتل عددًا كبيرًا من الناس، ويُنقل في بعض الكتب أنه ستمئة ألف، وهو رقم يغلب أنه مبالغ فيه. وقد اتهمه المنصور بالزندقة، لكن لا نجد دليلًا ثابتًا على ذلك. وقد ذكر المؤرخون أنه كان ذا رأي ودهاء وشجاعة، وأنه سفك دماء كثيرة بغير حق، وأن المنصور قتله غدرًا. فالتقويم المتوازن أنه رجل أسهم في قيام دولة وبذل في سبيل ذلك دماء كثيرة، ثم قُتل غدرًا.

— العبرة الشرعية — من عاقبة الدنيا أن تنقلب على أصحابها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ في سورة النساء، وهو وعيد شديد في قتل المؤمن. وفي الحديث الصحيح: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة» رواه البخاري. والقاعدة أن الغدر محرم حتى مع المخالف، وقد قال النبي ﷺ: «لكل غادر لواء يوم القيامة» متفق عليه. فلا يجوز للحاكم أن يقتل شخصًا بعد أن آمنه، وهذا ما أخذه كثير من العلماء على المنصور في هذه القصة.

— المنصور في نظر المؤرخين — يصفه المؤرخون بالحزم والدهاء وقوة التدبير، ويذكرون عنه تقشفًا شديدًا في المال حتى لقب بأبي الدوانيق، والدانق جزء صغير من الدرهم، وهو لقب ذكره أكثر المؤرخين وإن اختلفوا في سببه. وهو الذي ثبّت أركان الدولة العباسية بعد سنواتها الأولى المضطربة. وفي الوقت نفسه ينقل عنه شدة في معاملة خصومه، وقتل أبي مسلم من أشهر ما أُخذ عليه، فالتقويم الأمين أن نذكر الجانبين معًا، ولا نخفي أحدهما.

— تنبيه — جميع هذه الأخبار تأتي من مؤرخين عاشوا بعد الحدث بأكثر من قرن، مثل الطبري، ويعتمدون على رواة قريبين من البلاط العباسي، فيمكن أن يكون فيها تحيز. ولذلك نذكرها للعبرة، ونحتاط في الجزم بالنيات والحوارات.

العبرة

الدولة التي تقوم على الدماء قد تأكل أبناءها؛ والغدر محرم ولو كان بقصد المصلحة السياسية، والتحقق واجب في أخبار الصراع على الحكم.

المصدر: تاريخ الطبري (أحداث سنتي 136-137هـ)، الكامل لابن الأثير، البداية والنهاية لابن كثير، سير أعلام النبلاء للذهبي؛ والقرآن الكريم: سورة النساء (وعيد القتل العمد)؛ وصحيح البخاري: حديث «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة»، وحديث «لكل غادر لواء يوم القيامة» متفق عليه.

الدرجة: مقتل أبي مسلم على يد المنصور سنة 137هـ ثابت في كتب التاريخ؛ أما الحوارات والمراسلات المنقولة وعدد من قتلهم وتهمة الزندقة فمرويّة عن رواة قريبين من البلاط ولا إسناد قويًّا لها.