Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتوحات والدولة الأموية والعباسية
الفتوحات والدولة الأموية والعباسيةموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

ثورة النفس الزكية: محمد بن عبد الله بن الحسن وأخوه إبراهيم ضد المنصور

محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية) والمنصور

— من هو النفس الزكية — هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، من العلويين الحسنيين، ويلقب بالنفس الزكية. كان من أعيان المدينة المنورة، معروفًا بالعلم والفضل والشجاعة، وكان بنو هاشم من بني العباس وبني علي قد بايعوه سرًّا في آخر العهد الأموي، على ما تذكره كتب التاريخ، فيقال إن المنصور نفسه كان بين من بايعه. وبعد قيام الدولة العباسية، ظل المنصور يخشى منه، فطلبه مرارًا وسجن أباه عبد الله بن الحسن وأقاربه، وتروي المصادر أن الأب مات في السجن.

— شبهة المهدية — كان أتباع محمد يتحدثون عنه بأنه المهدي المنتظر، وأن اسمه موافق لاسم النبي ﷺ واسم أبيه لاسم أبيه. وقد ورد في الأحاديث عن المهدي ما يتعلق بذلك، لكن هذه الأحاديث متفاوتة في الصحة، وانطباقها على محمد بن عبد الله بن الحسن لا دليل عليه، وقد ثبت أنه قتل ولم يظهر كما تظهر العلامات المنتظرة. فالقول بأنه المهدي لم يثبت، وهو من دعايات أتباعه، وقد ذكر المؤرخون أن أباه كان يقول عنه ذلك ويقوّي عزيمة الناس.

— خروج محمد — في رجب سنة 145هـ خرج محمد بالمدينة، فاستولى عليها، وسجن واليها رياح بن عثمان المري، ودعا الناس إلى البيعة، وحصل على تأييد جماعة من أهلها. وتذكر المصادر أنه خطب في المسجد النبوي، وأن الناس بايعوه. وتذكر الروايات أن بعض العلماء استفتوا في جواز بيعة محمد والمنصور قد أخذ من الناس بيعة بالإكراه، فأفتى الإمام مالك بن أنس رحمه الله بأنه ليس على مكرَه بيعة، وكان ذلك سببًا في محنته لاحقًا. والرواية مشهورة، لكن اختلف الرواة في سبب جلد مالك بين هذه الفتوى وبين فتواه في طلاق المكره، وسنذكر ذلك.

— إبراهيم في البصرة — أما أخوه إبراهيم بن عبد الله فخرج في البصرة في رمضان سنة 145هـ، وسيطر عليها وعلى الأهواز وفارس، وتبعه عدد كبير من الناس. وتذكر الروايات أن الإمام أبا حنيفة النعمان رحمه الله أفتى بتأييده، وأرسل له مالًا، وبعضهم يقول إنه كان يقول بوجوب الخروج على الظالم. وهذه الأخبار منقولة في مناقب الإمام وبعضها فيه مبالغة، والروايات في الباب اختلفت، فنقول إنه رُوي ولم يثبت، ويذكر العلماء أن أبا حنيفة سجن في عهد المنصور وتوفي سنة 150هـ، وسبب سجنه قيل هو رفضه ولاية القضاء، وقيل غير ذلك، ولا نقطع بشيء.

— رد المنصور — كتب محمد إلى المنصور كتابًا يدعوه فيه إلى الرجوع عن الأمر ووعده بالأمان، فرد المنصور بكتاب طويل فيه فخر بأن بني العباس أحق بالخلافة من بني علي، لأن العباس عم النبي ﷺ، وأن الميراث يكون للعم دون ابن البنت. وتذكر المصادر هذه المراسلة مع ألفاظ شديدة. وهذا الرد مشهور في تاريخ الطبري، وإن كان نص الكتب موضع نقاش بين الباحثين. وقد جهز المنصور الجيش لقتال محمد بقيادة ابن أخيه عيسى بن موسى، وأرسل إلى المدينة جيشًا، وجمع بين الإقناع بالكتب والحرب.

— قتل محمد — حفر محمد خندقًا حول المدينة، اقتداء بالنبي ﷺ يوم الأحزاب، ثم لما اقترب جيش عيسى عبّأ أتباعه. وفي رمضان سنة 145هـ (يوم 14 منه) دارت المعركة عند المدينة، فقاتل محمد قتالًا شديدًا وقتل في موضع قرب أحجار الزيت، وبذلك انتهى أمر ثورته بعد نحو شهرين. وحمل رأسه إلى المنصور. ثم قتل أخوه إبراهيم في ذي القعدة سنة 145هـ في باخمرى قرب الكوفة، في معركة قتل فيها بسهم، وعاد الأمر للعباسيين.

— محنة مالك — لما انتهت الثورة بقي الإمام مالك مجروحًا في ذلك الأمر، وتروي الكتب أن والي المدينة جعفر بن سليمان ضربه بالسياط سنة 147هـ على الأرجح، وقيل 146 أو 150، وسبب ذلك على ما ذكره بعضهم فتواه بعدم لزوم طلاق المكره، لأن الناس فهموا منه سقوط بيعة المنصور، وقيل بل بسبب فتواه بعدم لزوم بيعة المكره. وتذكر بعض الروايات أنه حُمل مغشيًّا عليه ثم زاد قدره عند الناس. والأخبار في هذا فيها تفاصيل متضاربة، لكن الاتفاق على أنه ضُرب في المدينة، وعلى أن ذلك لم يمنع من احترام الناس له.

— ما نتعلمه — نتعلم من هذه الحادثة أن الخروج على الحاكم في أمور الدنيا والسلطان كثيرًا ما يؤدي إلى فتنة وسفك دماء، وأن العلماء الكبار اجتهدوا فيها على اختلاف وجوه. وقد ثبت في صحيح مسلم قوله ﷺ فيما يتعلق بالحكام: «ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدًا من طاعة». وهذا موضع نقاش دقيق بين أهل العلم، ومرجعه إلى القاعدة الشرعية في دفع أكبر المفسدتين. فنحن نذكر الحادثة للعبرة لا للحكم على الأشخاص.

— درس الإصلاح بين المسلمين — قال الله تعالى في سورة الحجرات: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. وثبت في صحيح البخاري من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال عن الحسن بن علي رضي الله عنهما، وهو جد النفس الزكية: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». فالأصل في أحفاد الحسن رضي الله عنه محبة أهل البيت واحترامهم، والحرص على حقن الدماء، وقد كان الأولى لكل الأطراف في هذه الفتنة أن يسلكوا طريق الصلح بدل السيف، لكن الأمر انتهى كما انتهى، ونسأل الله أن يرحم الجميع.

— تنبيه على المصادر — أخبار الثورة مأخوذة من الطبري ومقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصبهاني، وهو كتاب يعنى بأخبار الطالبيين، وابن كثير، وفي هذه الكتب روايات كثيرة متعارضة، وبعضها فيه مبالغات حزبية، فاعتمدنا ما اتفقت عليه.

العبرة

الصراع على الحكم بين أهل البيت والعباسيين أدى إلى دماء كثيرة؛ والعلماء الكبار عند الفتنة يتحرون الحق ويتحملون الأذى، ويجب الحذر من دعاوى المهدية بلا دليل.

المصدر: تاريخ الطبري (أحداث سنة 145هـ)، مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصبهاني، الكامل لابن الأثير، البداية والنهاية لابن كثير، ترتيب المدارك للقاضي عياض (محنة مالك)؛ وصحيح مسلم: حديث «ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئًا من معصية الله...» من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه.

الدرجة: خروج محمد وإبراهيم ومقتلهما سنة 145هـ ثابت في كتب التاريخ؛ وفتوى مالك في بيعة المكره وسبب جلده وفتوى أبي حنيفة ودعوى المهدية وألفاظ المراسلات مروية باختلاف كبير ولا يجزم بها.