— لماذا ترك المنصور الكوفة — كانت عاصمة العباسيين في أول الأمر في الكوفة ثم الأنبار والهاشمية. وبعد أن واجه المنصور ثورة الراوندية سنة 141هـ التي هاجمت قصره، ثم ثورة النفس الزكية وأخيه إبراهيم سنة 145هـ، رأى أن الكوفة لا تصلح عاصمة، لأن أهلها من الشيعة الذين كثيرًا ما ثاروا، وأن الأنبار ضيقة، فبحث عن موضع جديد يكون مركزًا آمنًا. وتذكر كتب التاريخ، ومنها تاريخ بغداد للخطيب البغدادي وتاريخ الطبري، أنه جال بنفسه في بعض نواحي العراق باحثًا عن الموضع.
— اختيار الموقع — نزل المنصور في موضع على دجلة قرب قرية قديمة كان اسمها بغداد، قبل الإسلام، وتختلف الأقوال في معنى الاسم فقيل فارسي ومعناه عطية الله أو بستان الله. ونقل الخطيب البغدادي عنه ما حاصله أنه قال: هذه دجلة، ليس بيننا وبين الصين شيء، تأتينا فيها كل ما في البحر، وتأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية وما حولها، وهذا الفرات تجيء فيه كل ما في الشام والرقة وما حولها. وهذه الرواية مشهورة في كتب التاريخ، وتبين أهمية الموقع التجاري والزراعي والمائي، فقد كان بين دجلة والفرات شبكة قنوات، وهو في وسط الدولة. ويقال إنه قال إنه موضع صالح للمعسكر، وهو يصلح للمدينة، لأن الجيش يجد فيه الميرة. وكل ذلك منقول بصيغ تقريبية.
— حكاية الراهب — يروي الخطيب في تاريخ بغداد وغيره أن المنصور سأل راهبًا في الدير في الموضع عن المنطقة، فأخبره أن في الكتب أن ملكًا اسمه مقلاص سيبني هنا مدينة، وأن المنصور قال أنا والله كنت أسمى مقلاصًا في صغري. وهذه الحكاية من الروايات التي تُحاك حول المدن العظيمة ولا إسناد صحيحًا لها فيما نعلم، ويغلب أنها من وضع المتأخرين، فننبه عليها ولا نعتمدها.
— المهندسون والعمال — تذكر الكتب أن المنصور جمع من الأمصار مهندسين وبنائين وصناعًا، من الكوفة والبصرة وواسط والموصل والشام، وأن عددهم بلغ آلافًا، وبعضها تذكر أن العدد وصل مئة ألف، وهو رقم يصعب الجزم به. واستشار المنصور في الخرائط والتخطيط رجالًا منهم خالد بن برمك ممن كان يعمل في ديوانه، وأخذ برأيه في أمور كثيرة. ومن أمر الهندسة أن المدينة صممت على شكل دائرة، فسميت المدينة المدورة.
— وضع الأساس — يذكر الطبري والخطيب أن المنصور وضع أول لبنة بيده في سنة 145هـ، وقال بسم الله والحمد لله، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، وهو معنى قول الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ثم قال ابنوا على بركة الله. وهذه الرواية مذكورة في أكثر من كتاب، ولا نملك إسنادًا لحرفها، لكنها تتفق مع ما عرف عن المنصور من التدين الظاهر.
— وصف المدينة — كانت المدينة مدورة، لها سوران وخندق، وأربعة أبواب: باب خراسان وباب البصرة وباب الكوفة وباب الشام، وكان في وسطها قصر الخليفة المسمى باب الذهب والقبة الخضراء، وبجواره المسجد الجامع. وكان قطرها نحو كيلومترين، على ما يذكره الباحثون المحدثون. وتتحدث الكتب عن أن المنصور جعل في أطرافها دواوين ومساكن للقواد والحرس. وتذكر الرواية أن بناء المدينة تم في نحو أربع سنوات، وانتهى سنة 149هـ، وسميت مدينة السلام. وتورد بعض المصادر أن النفقة بلغت أربعة ملايين وثمانمئة ألف درهم، والرقم أورده الخطيب وهو موضع شك عند الباحثين.
— نقل الأسواق — لم تبق الأسواق داخل المدينة المدورة، فقد نقلت إلى الكرخ جنوبًا، وتروي الكتب أن السبب أن المنصور خشي من دخول الغرباء والجواسيس إلى المدينة الإدارية، وتروي بعض الكتب أن سبب ذلك دخول رسول لملك الروم المدينة. وبهذا اتسعت بغداد حتى صارت من أكبر مدن العالم في ذلك الزمن، وتجاوز سكانها بحسب الأقوال مئات الآلاف، وهذا تقدير تقريبي.
— حضارة وعلم — أصبحت بغداد عاصمة العلم والحضارة، فقصدها العلماء، وسكنها أئمة منهم الإمام أحمد بن حنبل والبخاري زائرًا، ونقلت إليها دواوين الدولة، وازدهر فيها الورق والترجمة. وفي القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ في سورة الإسراء، وقد جعل الإسلام العمران جزءًا من استخلاف الإنسان في الأرض.
— موقف التنجيم — يذكر الطبري أن المنصور أخذ مشورة المنجمين في وقت وضع الأساس، منهم نوبخت الفارسي وماشاء الله اليهودي. وهذا الأمر مخالف لما قرره الشرع من النهي عن الكهانة والعرافة والاعتماد على النجوم في الغيب، فلا نستحسنه، ونذكره لأن المؤرخين ذكروه، فالمنصور بشر يخطئ ويصيب.
— مصير المدينة — توفي المنصور سنة 158هـ وهو محرم في طريقه إلى مكة قرب بئر ميمون، ودفن بمكة، وتولى ابنه المهدي. وتوسعت بغداد بعد المنصور على ضفتي دجلة، ثم تعرضت للفتن والحصار في أزمنة لاحقة، وفي سنة 656هـ دخلها المغول فخربوها وقتلوا أهلها وأتلفوا كتبها، وهي من أعظم الفواجع في التاريخ الإسلامي. فالمدينة التي بدأت مدورة محصنة في قلب العراق عاشت قرابة خمسة قرون عاصمة للخلافة العباسية.
— الخاتمة — أرادها المنصور مدينة أمان لحكمه، لكنها صارت منارة علم. ومن العبر في التاريخ أن ما يبنيه الناس لأغراض دنيوية قد يجعل الله فيه نفعًا أكبر لأمة الإسلام. ولا نجزم بنوايا أحد.
