Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتوحات والدولة الأموية والعباسية
الفتوحات والدولة الأموية والعباسيةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

رسالة نقفور وجواب هارون الرشيد: من هرقلة إلى الصلح المنقوض

هارون الرشيد ونقفور ملك الروم

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

— دولة الروم وجزية إيرين — كانت الإمبراطورة إيرين تحكم الدولة البيزنطية في عصر هارون الرشيد، وكان بين الدولتين العباسية والبيزنطية صلح ومال يؤدى إلى المسلمين. ثم أطاح بها وزيرها نقفور (نيكيفوروس الأول) سنة 187هـ (802م)، وتولى الحكم، فكان بينه وبين الرشيد ما ذكره المؤرخون. ويصف كتاب الطبري وابن الأثير وابن كثير ما جرى بعد ذلك على أنه من أشهر حوادث الرشيد.

— الكتاب — تذكر كتب التاريخ أن نقفور كتب إلى هارون الرشيد: من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت أحق بحمل أمثاله إليها، لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها وإلا فالسيف بيننا وبينك. وهذه الرسالة مشهورة في كتب التاريخ بصيغ مختلفة في اللفظ، ولا نملك نصها الدقيق، وإنما نورد معناها وفحواها.

— جواب الرشيد — تذكر الكتب أن الرشيد غضب غضبًا شديدًا حتى لم يستطع أحد أن ينظر إليه، وأنه طلب دواة وكتب على ظهر الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه. وهذا الجواب مشهور جدًّا ومتفق على ورود معناه في الكتب، لكن اختلاف ألفاظه بين الرواة يدل على أنه لم ينقل بسند محفوظ، فنذكره بالمعنى. ثم سار الرشيد بجيشه في أيام الشتاء، وكان الروم لا يتوقعون حربًا في ذلك الوقت.

— الحملة — تذكر المصادر أن الرشيد سار حتى بلغ هرقلة (هرقلية)، وهي مدينة بيزنطية قوية في آسيا الصغرى، وتروي أنه حاصرها أيامًا وفتحها بعد قتال، وغنم منها وسبى، وهدم أسوارها. وتختلف الكتب في السنة، فبعضها يجعل ذلك سنة 187هـ، وبعضها 190هـ، والراجح أن حملات كثيرة جرت على مدار تلك السنوات، منها الصائفة الكبرى سنة 190هـ التي فتحت فيها هرقلة. فلما ثبت الغلبة طلب نقفور الصلح، ودفع جزية عن نفسه وعن أولاده، على ما ذكره الطبري. وتتفاوت الأعداد التي تذكرها الكتب لجيش الرشيد، فمنها 135 ألفًا، وهي من الأرقام الكبيرة التي لا يجزم بها.

— نقض الصلح — لم يلتزم نقفور بالعهد طويلًا، فبعد أن انصرف الرشيد عن بلاده نقض الصلح، وحدثت حوادث، فتجددت الحملات. وتذكر الكتب أن الرشيد تلقى خبر النقض وهو في الرقة، فخرج مرة أخرى إلى بلاد الروم وسط الثلج والبرد. ويقول الطبري إنه بلغ في حملته مدنًا كثيرة وصالح الروم من جديد. وهذا الاضطراب في التواريخ هو من علامات أن الأخبار نقلت عن رواة متعددين.

— غازٍ حاج — اشتهر عن الرشيد أنه كان يحج عامًا ويغزو عامًا، وأنه كان يصلي في اليوم مئة ركعة إلى أن مات، وأنه كتب على قلنسوته: غازٍ حاج، على ما ذكره ابن كثير والسيوطي وغيرهما. وهذه الأخبار مشهورة، وقد ذكرها العلماء في ترجمته، ولا نملك إسنادًا قويًّا لتفصيلاتها، فنقول فيها: ذُكر. والثابت أنه حج مرات كثيرة وغزا مرات، وبنى طرقًا ومنازل للحجاج، ونظم الثغور بتأسيس منطقة العواصم.

— الثغور والصوائف — لفهم ما جرى لا بد من معرفة نظام الجهاد على الحدود في ذلك العهد، فقد كان المسلمون يغزون أرض الروم كل عام تقريبًا في الصيف، وتسمى الصائفة، وأحيانًا في الشتاء، وتسمى الشاتية، وكانت الدولة تحصّن الثغور (المدن الحدودية) وتجعل فيها المرابطين. وقد ذكر البلاذري في فتوح البلدان أن الرشيد عمّر ثغورًا ومدنًا حدودية منها طرسوس والحدث، وفصل الثغور المقابلة للروم عن إدارة الجزيرة وجعلها ولاية خاصة هي العواصم. وكانت رسالة نقفور تهديدًا لهذا النظام الذي بناه المسلمون، ولذلك كان الرد عسكريًّا.

— الرشيد وأهل العلم — تذكر كتب الرقائق والتراجم أن الرشيد كان يجلس إلى العلماء والوعاظ ويبكي عند الموعظة، ومن هؤلاء الفضيل بن عياض وابن السماك رحمهما الله، وأن العلماء كانوا يصدعون بالحق أمامه. وهذه الأخبار روي بعضها بأسانيد متفاوتة في القوة، ولا ينبغي أن نجعلها دليلًا على عصمة الرجل، فالحاكم يظل مسؤولًا عن رعيته، وقد قال النبي ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

— وفاته — توفي الرشيد في جمادى الآخرة سنة 193هـ في طوس من خراسان وهو في طريقه لقتال رافع بن الليث، وكان قد أوصى لابنيه الأمين والمأمون كما في قصة الفتنة. وقد وضع نظامًا للوراثة سنذكره مع ما نتج عنه.

— الميزان — الرشيد من أكثر خلفاء بني العباس شهرة، وقد جمع بين الجهاد والحج وتقريب العلماء كما في قصة أبي يوسف، وفي المقابل ذكر المؤرخون ما كان في زمنه من الترف الواسع والقصص المنسوبة إليه في مجالس اللهو، وأكثرها غير ثابت، ومنها ما اشتهر في كتاب ألف ليلة وليلة، وهو أدب خيالي لا يصح اعتماده مصدرًا تاريخيًّا. وكذلك ما ينسب إلى الرشيد من حوادث مع البرامكة، فنكبة البرامكة سنة 187هـ ثابتة في الجملة، وأسبابها مختلف فيها اختلافًا كبيرًا.

— حكمة قرآنية — قال الله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ في سورة الأنفال، فقبول الصلح مشروع إذا جنح العدو إليه، وفي قصة الرشيد ونقفور نرى كيف قبل الرشيد الصلح ثم عاد للقتال لما نقضه العدو، وقال الله تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ في سورة التوبة. فالأصل الوفاء بالعهد، فإن نقضه الطرف الآخر جاز للمسلمين مقاتلته.

العبرة

الصلح مشروع إذا جنح إليه العدو، والعهد يُوفى به، فإذا نقضه الخصم جاز القتال؛ وما اشتهر من عبارات الرشيد أدبي المنقول يُذكر بالمعنى.

المصدر: تاريخ الطبري (أحداث سنوات 187-193هـ)، الكامل لابن الأثير، البداية والنهاية لابن كثير، تاريخ الخلفاء للسيوطي؛ والقرآن الكريم: سورة الأنفال وسورة التوبة.

الدرجة: غزو الرشيد للروم وفتح هرقلة وإبرام الصلح ونقضه ثابت في الجملة في كتب التاريخ؛ أما نص كتاب نقفور وجواب الرشيد بلفظه وكتابة غازٍ حاج وأعداد الجيش وصلاة المئة ركعة فمشهورة بلا إسناد قوي، وتواريخ الحملات مضطربة.