— العهد المكتوب — كان للرشيد ولدان بارزان: محمد (الأمين) ابن زبيدة بنت جعفر، أمها هاشمية وأبوه هاشمي، وعبد الله (المأمون) من أم ولد فارسية. وفي سنة 186هـ، وهو في الحج، جعل الرشيد ولاية العهد لمحمد الأمين، ثم لعبد الله المأمون من بعده، وجعل له خراسان وما يتصل بها، وأخذ البيعة عليهما، وكتب عهدًا علّق في الكعبة على ما ذكر الطبري. وكتب الأمين والمأمون كتبًا بالعهود، وأشهد الرشيد على ذلك. وتذكر المصادر أن الرشيد جعل لابنه القاسم (المؤتمن) ولاية عهد بعدهما سنة 188هـ. وهذا النظام المعقد للوراثة كان هو الأصل الذي خرجت منه الفتنة.
— وفاة الرشيد — توفي الرشيد في طوس سنة 193هـ، وكان المأمون إذ ذاك في مرو، والأمين في بغداد. وكان مع الرشيد في خراسان جيش كبير بقيادة الفضل بن الربيع، وكان الفضل يخشى من المأمون الذي يعرف أنه لا يميل إليه، فحمل الجيش وعاد به إلى بغداد وبايع الأمين، وتذكر المصادر أنه ترك المأمون وراءه. فصار الأمين خليفة في بغداد، وبقي المأمون واليًا على خراسان. وهذا ما ذكره الطبري وابن الأثير.
— نقض العهد — بدأ الأمين، بتحريض الفضل بن الربيع وبعض المقربين منه، بالتضييق على المأمون، فطلب منه أن يتنازل عن بعض أعمال خراسان، ثم أرسل إليه يطلب حضوره إلى بغداد، ورفض المأمون بنصيحة وزيره الفضل بن سهل. ثم في سنة 194 أو 195هـ أمر الأمين بإسقاط اسم المأمون من الخطبة، وبايع لابنه موسى ولقبه الناطق بالحق، وأخذ العهد الذي في الكعبة وأتلفه، على ما ذكر المؤرخون. وهذا نقض لما عاهد عليه أباه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ في سورة الإسراء.
— الحرب — أرسل الأمين جيشًا كبيرًا بقيادة علي بن عيسى بن ماهان إلى خراسان، وتذكر المصادر أنه كان نحو أربعين ألفًا، فلقيه جيش المأمون بقيادة طاهر بن الحسين قرب الري سنة 195هـ، فهُزم جيش علي وقُتل علي. وتتابعت انتصارات طاهر، فسار غربًا ودخل الأهواز وواسط، ثم أقبل على بغداد. وتروي الكتب أن طاهر كان قائدًا ماهرًا، وصاحب فكر عسكري حسن، كما يروى أن أصحابه كانوا قلة ثم توافد إليه الناس.
— حصار بغداد — حاصر طاهر بن الحسين بغداد من سنة 196هـ تقريبًا، واشتد الحصار نحو سنتين، وتحدث الرواة عن القتال بين الأحياء، واستخدام المجانيق، وإحراق الدور، وتخريب جانب كبير من المدينة، وغلاء الأسعار وجوع الناس. وتذكر الكتب شعراء رثوا حال بغداد في هذه الحرب. وأراد الأمين استمرار الدفاع ثم ضعف أمره لما تفرق عنه جنده، وتراخى الناس عنه، وكان بعضهم يخونه. وهذه المرحلة موصوفة في الطبري بتفصيل كبير، لكن الروايات فيها كثيرة التعارض، لتحزب الرواة بين الأمين والمأمون.
— مقتل الأمين — في المحرم سنة 198هـ (سبتمبر 813م) حاول الأمين الخروج بالليل في زورق إلى القائد هرثمة بن أعين الذي كان قد تقرّب منه، ففاجأته مراكب طاهر، فانقلب الزورق وسبح الأمين إلى الشاطئ، وقُبض عليه وحُبس في بيت. ثم أرسل إليه رجال من أتباع طاهر ليلًا فقتلوه، وحُمل رأسه إلى طاهر ثم إلى المأمون في مرو. وتروي الكتب أن الأمين طلب أن يؤمّن ولم يجب، وهذه التفاصيل ترد في الطبري عن رواة، ولا نملك تأكيدها. والثابت أنه قُتل في ذلك الشهر، وكان عمره نحو ثمانٍ وعشرين سنة.
— موقف المأمون — تروي بعض الكتب أن المأمون حزن لمقتل أخيه وأنه لم يكن يريد قتله وأوصى بالرفق به. وتروي كتب أخرى عكس ذلك، وقد عرف المأمون بالدهاء السياسي. وما نعلمه أن المأمون لم يدخل بغداد إلا سنة 204هـ، وبقي في مرو سنوات يدير الأمر من خراسان، بوزارة الفضل بن سهل، ثم كان ما كان من ولاية العهد لعلي بن موسى الرضا سنة 201هـ وثورة بغداد وبيعة إبراهيم بن المهدي. وفي هذه الحوادث تفاصيل كثيرة نترك أكثرها. وتوفي علي الرضا سنة 203هـ في طوس، وللشيعة رواية في أنه مات مسمومًا، ولا نجد ما يثبتها.
— أسباب الفتنة في نظر المؤرخين — يذكر المؤرخون أسبابًا منها: عدم وضوح نظام الوراثة وكثرة العهود، وتحريض الوزراء والحاشية الذين خافوا على مناصبهم، وتنافس العناصر العربية والفارسية، فقد كان أنصار الأمين من العرب والقادة التقليديين، وأنصار المأمون من الفرس وأهل خراسان. وهذا التقسيم تحليلي يضعه الباحثون، وفيه شيء من التبسيط، فقد كان في كل جيش من الفريقين. وأخيرًا ضعف شخصية الأمين كما تصورها المصادر، فقد تذكر أنه كان مشغولًا باللهو، ولا يخلو ذلك من تحامل المؤرخين الذين كتبوا في عهد المأمون وما بعده.
— وقفة — قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ في سورة آل عمران. والفتنة بين الإخوة تهدم بيوتًا وتخرب مدنًا، وقد دفع أهل بغداد الثمن من أموالهم وأرواحهم. ومن عبرة التاريخ أن الاستخلاف إذا قام على أساس رغبة الأب في تقسيم الملك بين أبنائه جرّ الدولة إلى الصراع. وفي الحديث الصحيح قال النبي ﷺ: «من حمل علينا السلاح فليس منا» متفق عليه، وهو نص في تحريم الاقتتال بين المسلمين.
