Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتوحات والدولة الأموية والعباسية
الفتوحات والدولة الأموية والعباسيةموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

بيت الحكمة وحركة الترجمة: ما ثبت وما بولغ فيه

المأمون وحنين بن إسحاق والخوارزمي

— العلم في الإسلام قبل الترجمة — قبل أن نتحدث عن بيت الحكمة ينبغي أن نذكر أن العلم عند المسلمين لم يبدأ بالترجمة، فقد أمر القرآن بالعلم في أول ما نزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ في سورة الزمر، وقال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ في سورة طه. وقامت علوم القرآن والحديث والفقه واللغة في القرون الأولى من غير حاجة إلى الترجمة. أما الترجمة فكانت للعلوم الأخرى كالطب والفلك والرياضيات والفلسفة.

— ما هو بيت الحكمة — تشير المصادر، ومنها الفهرست لابن النديم، إلى مؤسسة في بغداد تسمى خزانة الحكمة أو بيت الحكمة، كانت تحوي كتبًا ويعمل فيها مترجمون ونساخ. وتذكر بعض الروايات أن أصلها يعود إلى زمن هارون الرشيد، وأن المأمون وسّعها. ويرى بعض الباحثين المحدثين أن الصورة الشائعة لبيت الحكمة كأكاديمية علمية ضخمة فيها مئات العلماء مبالغ فيها، وأن النصوص القديمة لا تعطي وصفًا مفصلًا لها، وأن حركة الترجمة نفسها كان يقوم بها أفراد برعاية خلفاء وأمراء وأثرياء، وليس بالضرورة في مؤسسة واحدة. وهذا تحفظ معقول، ولذلك نقول إن لبيت الحكمة وجودًا في المصادر لكن حجمه ووظائفه موضع بحث.

— حلم المأمون — نقل ابن النديم في الفهرست أن المأمون رأى في منامه رجلًا أبيض مشربًا بحمرة، واسع الجبهة، مقرون الحاجب، أجلح الرأس، أشهل العينين، حسن الشمائل، جالسًا على سريره، فهابه، وسأله من أنت؟ قال أنا أرسطاطاليس، فسأله عن الحسن والقبح وغيره، وأن المأمون بعد ذلك حرص على نقل كتب اليونان. وهذه رواية لا يصح لها إسناد يُعتمد عليه، ولذلك لا نثبتها، ولا نبني عليها شيئًا، فهي من قبيل الحكايات المروية عن بواعث الترجمة. وقد تكون عبّرت عن اهتمام المأمون بالفلسفة.

— المترجمون — من أشهر المترجمين حنين بن إسحاق (ت 260هـ)، وهو طبيب نصراني من الحيرة، ترجم كتب جالينوس وغيره، وتذكر المصادر أنه ترجم بجودة عالية وأنه وضع منهجًا في مقابلة النسخ. ومنهم ثابت بن قرة الصابئ الحراني، وقسطا بن لوقا، ويحيى بن البطريق، وكان بعضهم مسلمين وبعضهم غير مسلمين. وتروي كتب التراجم أن المأمون كان يعطي المترجم وزن ما ترجمه ذهبًا، وهي رواية يذكرها ابن أبي أصيبعة في ترجمة حنين وغيره، وهي من الأخبار التي لا يوثق بها، وقد تكون مبالغة في بيان سخاء الدولة على الترجمة.

— العلماء المسلمون — من أبرز علماء ذلك العصر محمد بن موسى الخوارزمي، الذي كتب الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة، وإليه ينسب لفظ الجبر في اللغات الأوروبية، وقد عمل في بيت الحكمة بحسب ما يذكره بعض المؤرخين. ومنهم بنو موسى بن شاكر: محمد وأحمد والحسن، وكانوا فلكيين ومهندسين. وتذكر الكتب أن المأمون أمر بقياس محيط الأرض في صحراء سنجار وتدمر، وأن بني موسى أسهموا فيه، وأن الرصد أجري في مرصد الشماسية ببغداد وجبل قاسيون بدمشق سنة 214هـ تقريبًا. وهذه أمور مذكورة في كتب التاريخ العلمي، لكن تفاصيل القياس والأعداد موضع دراسة وخلاف.

— الدين والعقل — كان المأمون متأثرًا بالمعتزلة، وجعل في أواخر حكمه المحنة بخلق القرآن، وهي موضوع قصة أخرى. ومن هنا نفهم أن اهتمامه بالفلسفة كان له بعد عقدي. أما موقف العلماء فاختلف: فمنهم من رحب بالعلوم النافعة كالطب والفلك والحساب، ومنهم من حذر من الفلسفة وعلم الكلام الذي يعارض النصوص. ولذلك ينبغي ألا نصور العصر كله على أنه حركة واحدة، فقد ازدهرت في الوقت نفسه علوم الحديث، وكان الإمام أحمد في بغداد، ورحل إليها أئمة الحديث كالبخاري ومسلم.

— موقف الشرع — العلوم النافعة من الطب والحساب والفلك مما يحتاجه الناس مشروعة بل قد تكون فرض كفاية، فالأمة تحتاج إلى أطباء ومهندسين. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ في سورة فاطر. أما ما خالف نصوص الوحي من الفلسفة فيُرد، وقد انتقده علماء كثيرون في كتبهم. فالمنهج هو الانتفاع بالعلم النافع مع بقاء الوحي ميزانًا.

— الورق والوراقة — مما ساعد على ازدهار التأليف والنسخ انتشار الورق، وتذكر المصادر أن صناعته انتقلت إلى العالم الإسلامي من بلاد ما وراء النهر بعد اتصال المسلمين بها، وأن أول مصنع للورق في بغداد أنشئ في أيام هارون الرشيد، ويذكر بعض المؤرخين أن الفضل بن يحيى البرمكي كان له أثر في ذلك. وهذه من الأخبار التاريخية المتداولة التي لا تخلو من خلاف في التفصيل. وقد نشأت بسبب الورق مهنة الوراقين، أي النساخ وباعة الكتب، وكثرت أسواقهم في بغداد، وصارت الكتب أرخص وأيسر تداولًا مما كانت عليه.

— الأثر — أسهمت الترجمة والبحث في نقل علوم كثيرة إلى العربية، ثم أضاف المسلمون إليها، ثم انتقلت إلى أوروبا عبر الأندلس وصقلية بالترجمة اللاتينية، وهذه حقيقة تاريخية يقبلها أغلب الباحثين، مع الحذر من المبالغة في وصف الحضارة العباسية بما ليس فيها. وفي المقابل، لا يصح أن ننسب كل علم إلى المسلمين أو نجحد فضل اليونان والهنود والفرس الذين نقلوا عنهم.

— تنبيه ختامي — المصادر التي بين أيدينا هي الفهرست لابن النديم (ت نحو 380هـ) وطبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة (ت 668هـ) وطبقات الأمم لصاعد الأندلسي، وهي متأخرة نسبيًّا عن العصر، ولذلك نقول عن الأخبار الأدبية التي فيها: مرويّة لا مثبتة.

العبرة

العلوم النافعة مطلوبة والانتفاع بحكمة الأمم جائز مع بقاء الوحي ميزانًا، وعلى المؤرخ الحذر من المبالغة في وصف المؤسسات العلمية واعتماد الحكايات.

المصدر: الفهرست لابن النديم، عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة، طبقات الأمم لصاعد الأندلسي، تاريخ الطبري، البداية والنهاية لابن كثير؛ والقرآن الكريم: سور العلق والزمر وطه وفاطر.

الدرجة: وجود حركة الترجمة وبيت الحكمة (خزانة الحكمة) في العصر العباسي ثابت في المصادر؛ أما رؤيا المأمون لأرسطو ودفع وزن الكتب ذهبًا فمروية بلا إسناد، وحجم بيت الحكمة ووظيفته موضع خلاف بين الباحثين.