Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتوحات والدولة الأموية والعباسية
الفتوحات والدولة الأموية والعباسيةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

أبو يوسف وهارون الرشيد: كتاب الخراج ومنهج العدل في المال

القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

— من هو أبو يوسف — هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي، وُلد سنة 113هـ، وتفقه أولًا على ابن أبي ليلى ثم لزم الإمام أبا حنيفة النعمان رحمه الله سنوات طويلة حتى صار أنجب تلاميذه وأكثرهم حديثًا. وتروي كتب التراجم أنه كان فقيرًا في أول أمره فاضطر إلى العمل، وكان أبو حنيفة يعينه. ولما توفي أبو حنيفة سنة 150هـ صار أبو يوسف إمامًا في الفقه ونشر مذهب أستاذه. وولي القضاء في بغداد في عهد المهدي سنة 166هـ تقريبًا، ثم في عهد الهادي والرشيد، وصار قاضي القضاة في زمن الرشيد، وهو أول من لقب بهذا اللقب على ما ذكره غير واحد من المؤرخين.

— طلب الرشيد — تذكر كتب التاريخ والتراجم أن هارون الرشيد طلب من أبي يوسف أن يضع كتابًا جامعًا في الأموال، وخاصة الخراج، وهو ما تجبيه الدولة من الأرض، وما يتعلق به من العشور والجزية وغيرها، ليعمل به في إدارة الدولة وليحذر الجور في الجباية. وأجاب أبو يوسف بكتابه المعروف كتاب الخراج، وصدّره بمقدمة وعظية يخاطب فيها الخليفة بأن الله ولّاه أمر المسلمين وأن عليه تقوى الله والعدل، وأن ليس أحد أولى بالنصيحة من أمير المؤمنين. وهذا الكتاب من أقدم ما كتب في الفقه المالي الإسلامي، وما زال يدرس إلى اليوم.

— مضمون الكتاب — يشتمل الكتاب على أبواب كثيرة، منها ما يتعلق بأرض الفتح والصلح وأحكامها، وبالعشر والخراج وصدقات المسلمين، وبالجزية على أهل الذمة، وبتوزيع الفيء، وبأحكام الحدود في القسم الأخير. ويستشهد المؤلف بالقرآن والسنة وبآثار الصحابة، ولا سيما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أرض السواد بالعراق، إذ لم يقسمها بين الفاتحين وجعلها خراجية للمسلمين عامة. وقد روى البخاري عن عمر رضي الله عنه أنه قال ما معناه: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي ﷺ خيبر. فالمصلحة العامة للأجيال القادمة معتبرة في تصرف الإمام في الأرض.

— النهي عن تعذيب الناس في الجباية — من القواعد التي يقررها الكتاب وينبه عليها الخلفاء ألا يُعذَّب الناس لاستخراج الخراج منهم، فلا يُضربون ولا يوقفون في الشمس ولا يُقيَّدون بما لا يطيقون. ولهذا أصل في السنة الصحيحة، فقد روى مسلم أن هشام بن حكيم رضي الله عنه مرّ بالشام على أناس يعذَّبون في الجزية فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا». وهذا الحديث يدل على النهي عن التعذيب بغير حق، ولذلك كان من الإنصاف أن نذكره في سياق نصائح أبي يوسف للرشيد.

— الرفق بأهل الذمة — من الأمور التي ينبه عليها الفقهاء في هذا الباب حقوق أهل الذمة، فلهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم، وتؤخذ منهم الجزية بحسب طاقتهم ولا يكلفون ما لا يطيقون. وقد ثبت في صحيح البخاري قول عمر رضي الله عنه في وصيته وهو يحتضر: «وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله ﷺ، أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم». وهذا من الأصول التي يقوم عليها هذا الباب في كتب الفقه.

— إحياء الموات وحقوق الناس — ويتعرض الكتاب لمسائل عمران الأرض، ومنها إحياء الأرض الميتة، وقد قال النبي ﷺ: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له»، رواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي حسن صحيح. وفي ذلك تشجيع على الزراعة وعمارة البلاد. ولم يكن غرض الكتاب جباية المال فقط، بل كان من أهدافه عمارة الأرض بالعدل، لأن ظلم الفلاحين يخرب البلاد ويقل خراجها.

— أبو يوسف والخليفة — تروي الكتب كثيرًا من الحكايات عن مجالس أبي يوسف مع الرشيد، وبعضها يدل على احترام الخليفة له وطاعته لحكمه. لكن كثيرًا منها لا يصح، ومنها ما يُنسب إليه من فتاوى في الحيل أو إجابات عجيبة، مثل قصة الجارية التي أراد الرشيد وطأها بعد أن كانت لأبيه، فإن هذه القصة من الحكايات المشهورة التي تكلم العلماء في صحتها وكثير منهم ينكرها. فنحذر من أخذ سيرته من الحكايات المتأخرة، ونكتفي بكتبه وبما ذكره المؤرخون الثقات.

— مؤلفات أخرى — لم يقتصر أبو يوسف على كتاب الخراج، فمن كتبه التي تذكرها المصادر كتاب الآثار الذي يروي فيه أحاديث وآثار شيخه أبي حنيفة، وكتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، وكتاب الرد على سير الأوزاعي الذي ناقش فيه آراء الأوزاعي في أحكام السير والجهاد. وهذه الكتب تدل على أن الرجل لم يكن قاضيًا إداريًّا فحسب، بل كان فقيهًا مؤلفًا. وقد جمع بينه وبين محمد بن الحسن الشيباني في تدوين المذهب الحنفي، فصارا مع أبي حنيفة ركنين في المذهب.

— مكانته عند أهل العلم — اختلف العلماء في أبي يوسف: فمنهم من أثنى عليه ووصفه بالعلم والحفظ والثقة، ومنهم من انتقد توليه القضاء للخلفاء وما قيل من ميله لهم. والإنصاف أنه فقيه كبير نشر علم أبي حنيفة وكتب في الفقه والأصول، وأنه استعمل منصبه في الصدع بالحق في كثير من المواقف على ما تذكره التراجم. وتوفي سنة 182هـ في بغداد في خلافة الرشيد.

— العبرة — العدل في المال من أعظم ما تقوم به الدول، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾ في سورة النحل. وفي هذه القصة نموذج للعالم الذي ينصح الحاكم بعلم، والحاكم الذي يطلب النصح. وهو ما يجب أن يتكرر.

العبرة

العالم الناصح والحاكم الذي يطلب النصح يجتمعان على العدل في المال والرفق بالرعية، ولا يُجبى المال بظلم ولا تعذيب.

المصدر: كتاب الخراج لأبي يوسف، وفيات الأعيان لابن خلكان، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، سير أعلام النبلاء للذهبي؛ وصحيح البخاري: قول عمر «لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية...» ووصيته بأهل الذمة (كتاب الجهاد والجزية)؛ وصحيح مسلم: حديث هشام بن حكيم «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا»؛ وسنن أبي داود وجامع الترمذي: حديث «من أحيا أرضًا ميتة»؛ والقرآن الكريم: سورة النحل.

الدرجة: تأليف أبي يوسف كتاب الخراج للرشيد ثابت مشهور، والأحاديث المذكورة صحيحة؛ أما الحكايات المنسوبة إليه مع الرشيد (كقصة الجارية والحيل) فضعيفة أو منكرة عند كثير من العلماء، وقد ربطنا الأحاديث بموضوع الكتاب للاستدلال العام ولا ندعي أنها مذكورة فيه بنصها.