— من واسط إلى الكوفة — هو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، مولى لبني شيبان، وُلد بواسط سنة اثنتين وثلاثين ومئة على المشهور، ونشأ في الكوفة. حضر مجلس الإمام أبي حنيفة وهو شاب، ولم يلبث أبو حنيفة أن توفي سنة خمسين ومئة، فتتلمذ بعده على أبي يوسف رحمه الله. ثم رحل إلى المدينة المنورة، فلازم الإمام مالك بن أنس نحو ثلاث سنين على ما ذُكر في ترجمته، وسمع منه «الموطأ». وروايته للموطأ من الروايات المشهورة، وهي معروفة عند الأحناف خاصة، وفيها إضافات منه في آخر الأبواب؛ فقد يقول بعد إيراد الحديث: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، فيجمع بين الرواية والرأي.
— ثناء الشافعي — ومن شهادات معاصريه أن الإمام الشافعي أخذ عنه وأثنى عليه كثيرًا. وقد ذكر الذهبي وغيره عن الشافعي ما معناه أنه لو أراد أن يقول إن القرآن نزل بلغة محمد بن الحسن لفصاحته لقال، وهي عبارة مبالغة في الثناء على فصاحته وبيانه. ونقل عن الشافعي كذلك أنه قال: ما رأيت سمينًا أذكى من محمد بن الحسن، وأنه حمل عنه وقر بعير من الكتب، وهذا الأخير له قصة مستقلة. وهذا الثناء من إمام مخالف في المذهب يدل على سعة علم الرجل وإنصاف الشافعي.
— الكتب التي خلّفها — ترك محمد بن الحسن مصنفات كثيرة، يُعرف منها «الجامع الصغير» و«الجامع الكبير» و«المبسوط» أو «الأصل» و«الزيادات» و«السير الصغير» و«السير الكبير»، وتسمى هذه الكتب «ظاهر الرواية» عند الأحناف، وهي عمدة المذهب. و«السير الكبير» من أهم كتب أحكام الجهاد والعلاقات مع الدول الأخرى، وقد شرحه السرخسي في العصر السلجوقي شرحًا موسعًا. ولهذا الكتاب صلة بكتاب الأوزاعي في السير الذي ردّ عليه أبو يوسف في «الرد على سير الأوزاعي»، وناقشه الشافعي كذلك في «الأم»؛ فكان علماء ذلك العصر يتحاورون كتابةً في أحكام الحرب والسلم.
— ما قيل فيه من الجرح — والمنصف يعلم أن أهل الحديث لم يتفقوا على توثيقه في الرواية، فقد تكلم بعضهم في روايته للحديث، مع الثناء على فقهه ولغته وذكائه. وهذا لا ينقص من قدره في الفقه، فقد يكون الرجل إمامًا في الفقه وليس بالمتقن في الرواية. ونذكر هذا لنبين أن الإنصاف يقتضي ذكر الجانبين.
— القضاء وآخر أيامه — تولى محمد بن الحسن القضاء في الرقة زمن الرشيد، ثم عُزل عنه، على ما في كتب التراجم، ثم صحب الرشيد وعُيّن في بغداد. وكان في آخر عمره مرافقًا للرشيد في سفره إلى خراسان، فتوفي في الري سنة تسع وثمانين ومئة، وتوفي في اليوم نفسه عالم اللغة والقراءة علي بن حمزة الكسائي. وروى المؤرخون أن الرشيد قال في معنى كلامه: دفنتُ الفقه والعربية بالري. وهي عبارة مشهورة في كتب التراجم، ولم نقف على إسناد محرر لها، وإنما تُنقل شاهدًا على مكانة الرجلين.
— أثره — حمل محمد بن الحسن مذهب أبي حنيفة ودوّنه، وحفظه في كتب كثيرة، ثم جاءت أجيال بعده فشرحت هذه الكتب. وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد هم أئمة المذهب، وتسمى أقوالهم «أقوال الإمام وصاحبيه». وهذا يبين أن الأئمة لا يعيشون بعلمهم وحده، بل يخلدهم تلاميذهم الذين يدوّنون ويشرحون.
— الآثار والاكتساب — ومن كتبه «الآثار» وهو يروي فيه الأحاديث والآثار عن أبي حنيفة، وكتاب «الاكتساب في الرزق المستطاب» وهو في أحكام الكسب وفضل العمل والتجارة، ومما يناسب موضوعه قول الله تعالى في سورة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾، وحديث البخاري عن المقدام رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ». وفي هذا دلالة على اتساع اهتمام الرجل لشؤون الدين والمعاش.
— الحجة على أهل المدينة — ومن كتبه «الحجة على أهل المدينة»، وفيه ناقش مسائل خالف فيها فقهاء الكوفة أهل المدينة، محتجًّا لمذهبه بالأحاديث والآثار. وهو يدل على أنه جمع بين مدرستي العراق والمدينة، فقد لازم مالكًا ثم دافع عن مذهب أبي حنيفة بأدلة. وفي كتب الفقه المقارن ما يدل على أن علماء ذلك العصر كانوا يتناظرون بالحجة ويدونون خلافهم بأدب.
— التفقه في الدين — وقد قال النبي ﷺ فيما اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث معاوية رضي الله عنه: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». قال ابن حجر في الفتح إن الحديث يدل على فضل العلماء والفقه في الدين، وأن من لم يتفقه فقد حُرم الخير. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». وكتب محمد بن الحسن من العلم الذي ينتفع به الناس قرونًا بعد وفاته، نرجو الله أن يكتب له أجرها.
— تنبيه على الدرجة — وفاته في الري سنة تسع وثمانين ومئة مع الكسائي مشهورة، وعبارة الرشيد تُنقل بلا إسناد محرر. وثناء الشافعي عليه مشهور في كتب التراجم. وكلام بعض أهل الحديث في روايته مذكور في كتب الرجال. أما ملازمته لمالك ثلاث سنين فمذكورة في ترجمته ولم نحرر عددها. وحديث معاوية متفق عليه، وحديث أبي هريرة رواه مسلم.
