— رجل من أخميم — هو أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم، وقيل اسمه الفيض، المعروف بذي النون المصري، من أهل أخميم في صعيد مصر، وكان أبوه على ما ذكر المترجمون من أصل نوبي. عاش في مصر في القرن الثالث الهجري، وتوفي سنة خمس وأربعين ومئتين بالجيزة، ودُفن بالقرافة بمصر. اشتهر بالزهد والعبادة والوعظ، وعدّه كثير من أهل السير أحد أوائل من تكلم في مقامات الزهد وأحوال القلب عند المتنسكين في مصر. ولم يكن عند أهل الحديث من المكثرين في الرواية، فالكلام فيه عندهم إنما هو في الزهد والأحوال لا في الرواية.
وهذا التنبيه مهم؛ فإن كتب الصوفية المتأخرة نسجت حول اسمه حكايات كثيرة وكرامات، من أخبار الطير والسباع والبحر، لا يصح منها شيء بإسناد يعتمد عليه، وقد أعرضنا عن ذكرها، فنقتصر على ما ورد عنه في المعنى الشرعي وفي الأخبار التاريخية الأقرب إلى الثبوت.
— اتُّهم بالزندقة — ذكر المترجمون، ومنهم أبو نعيم في «الحلية»، وابن خلكان وغيرهما، أن ذا النون اتُّهم عند بعض أهل مصر في عقيدته، لما في كلامه عن المعرفة والأحوال من عبارات غامضة لم يفهموها، فرُفع أمره إلى الخليفة العباسي المتوكل، وكان قد تولى الخلافة سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، وهو الذي أنهى محنة خلق القرآن ونصر أهل السنة. فحُمل ذو النون إلى العراق، وسئل هناك، ويُروى أنه وعظ الخليفة فأثّر فيه وبكى الخليفة، ثم أعاده إلى بلده مكرمًا. وهذه الرواية مشهورة في كتب التراجم، ولا نقف لها على إسناد قوي، فنوردها نقلًا لا حكمًا. والمعنى المقصود فيها أن أمر الرجل التبس على الناس، وأنه أُنصف حين مثُل بين يدي الخليفة.
— درس في التثبت من التهمة — وفي هذه الحادثة، إن صحت، درس شرعي: فمن اتُّهم في دينه بسبب عبارة لم تُفهم لا يُسارَع إلى تكفيره أو تفسيقه حتى يُسأل ويُبيَّن مراده. قال الله تعالى في سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. وقد ذكر السعدي في تفسيرها أن هذا من الآداب التي ينبغي للعقلاء التأدب بها، وهو التثبت في خبر من لا يوثق به قبل بناء الحكم عليه. وقال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، أي لا تتبع ما لا علم لك به. فمن شهد على أحد بزندقة أو بدعة بلا تحرير كان واقعًا في هذا النهي، ومن قال في الدين برأيه المبهم وقع في اللبس الذي يستدعي التبيين.
— متابعة الرسول ﷺ علامة المحبة — ومن أشهر الأقوال المنسوبة إليه في مأثور كلام أهل السلوك قوله، في معنى ما روى أبو نعيم: من علامات المحب لله متابعة حبيب الله ﷺ في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه. وهو كلام صحيح المعنى، لا خلاف فيه، فقد قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. وقد قال ابن كثير في تفسير هذه الآية إنها حاكمة على كل من ادّعى محبة الله وليس على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه حتى يتبع الشرع المحمدي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله. فهذا الميزان الذي يضبط دعاوى الأحوال والمقامات.
— الله لا يشبهه شيء — وينسب إليه كذلك في باب التوحيد قوله ما معناه: كل ما تصور في وهمك فالله بخلاف ذلك. وقد ذكره القشيري وغيره في ما نُقل عنه. وهو كلام يدل على تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين، ومأخذه قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ولكن ينبغي للقارئ أن يفهم أن مثل هذه العبارات لا ينبغي أن تُحمل على نفي الصفات التي أثبتها الله لنفسه، فإن آخر الآية نفسها فيه إثبات السمع والبصر. فلو أُخذت العبارة على ظاهرها المطلق وقع الإشكال، ولهذا تحتاج إلى رد المتشابه من الكلام إلى المحكم من الكتاب والسنة.
— ميزان العلماء في كلام الأحوال — وقد نبّه الحافظ الذهبي وغيره من أهل العلم على أن في ما يروى عن ذي النون من كلام الأحوال ما لا يصح عنه، أو ما لا يوافق ظاهر الشرع إذا أُخذ على إطلاقه. فالأصل أن يُعرض كلام كل أحد، مهما بلغ في الزهد، على الكتاب والسنة، فإن وافقهما قُبل، وإن خالفهما رُدّ. وهذا هو المنهج الذي سار عليه أئمة الإسلام مع كل الزهاد، ومنهم الجنيد الذي قال في معنى كلامه إن علمهم مقيد بالكتاب والسنة. ولا يقدح في ذي النون أن بعض ما نُسب إليه لم يصح، فالرجل فيه خير وزهد وعبادة، والباطل المنسوب إليه يُنسب إلى الناقلين.
— مصر في زمنه — وفي زمن ذي النون كانت مصر ولاية عباسية، وكانت فيها حلقات العلم قد استقرت بعد الليث والشافعي، وكان الفقه فيها مالكيًّا وشافعيًّا، والحديث ينقله المصريون عن شيوخهم. وكان بجانب ذلك ظهر في مصر زهاد وعباد، وظهر من يتكلم في المعاني الباطنة للعبادات. فكان ذو النون من أبرز هؤلاء. وقد يُفهم من هذا أن الزهد في مصر لم يكن بمعزل عن العلم الشرعي، وإنما كان موجودًا بجانبه.
— وفاته — توفي ذو النون سنة خمس وأربعين ومئتين، كما ذكر المؤرخون. وتحكي كتب الصوفية في وفاته حكايات خارقة، لا نعتمد على شيء منها، لأنها لا تثبت بإسناد، والأولى الاقتصار على ما ثبت: أنه مات مسلمًا زاهدًا، ونرجو له الرحمة.
— تنبيه على الدرجة — تاريخ وفاته وأصله ومكانه معروف في كتب التاريخ. وخبر اتهامه وحمله إلى المتوكل وموعظته مشهور في الحلية وغيرها، ولا إسناد قوي له. وقوله في متابعة الرسول ﷺ منسوب إليه في الحلية، والمعنى صحيح موافق للآية. وعبارة «كل ما تصور في وهمك» تنسب إليه في الرسالة القشيرية وغيرها، ولا نجزم بنسبتها. وما تنسبه إليه كتب الصوفية من كرامات وحكايات خارقة لا يثبت فتركناه.
