Islamic MixIslamic Mix
‹ علماء القرون الأولى
علماء القرون الأولىمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

الحارث المحاسبي: ترك الميراث ورسالة التحذير

الحارث المحاسبي رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

— لماذا سُمّي المحاسبي — هو أبو عبد الله الحارث بن أسد العنزي، وُلد في البصرة نحو سنة خمس وستين ومئة، وسكن بغداد وتوفي فيها سنة ثلاث وأربعين ومئتين. وسُمّي المحاسبي لكثرة محاسبته لنفسه ومراقبته لها، وألّف في هذا الباب كتبًا، أشهرها «الرعاية لحقوق الله»، وكتب في الزهد والتوبة ومحاسبة النفس والتوهم. وكان من أوائل من جعلوا لمحاسبة النفس كتابًا مستقلًا، وأثّر في من بعده، ومنهم الجنيد الذي صحبه.

والأصل في المحاسبة قول الله تعالى في سورة الحشر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. وقد ذكر ابن كثير في تفسيرها قول عمر رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا. وهذا الأثر يُروى عن عمر في كتب الزهد والآثار وفي إسناده انقطاع، ومعناه صحيح تدل عليه الآية.

وقد جاء في السنة ما يتصل بالمعنى نفسه، فروى الترمذي من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ». وقد قال الترمذي: حديث حسن، وضعّف إسناده جماعة من أهل العلم، فلا نعتمد عليه وحده، والمعنى مأخوذ من الآية وأثر عمر. وقد استفاد من كتب الحارث في المحاسبة من جاء بعده من أهل التزكية، ومنهم أبو حامد الغزالي الذي أكثر من النقل عن «الرعاية» كما يذكر الدارسون.

— ترك الميراث — ومن أشهر أخباره في كتب التراجم أن أباه كان ثريًا، وكان على مذهب غير مذهب ابنه في الاعتقاد، ويقال إنه كان من الواقفة، وهم من وقفوا في مسألة القرآن فلم يقولوا هو مخلوق ولا غير مخلوق. فلما مات أبوه ترك مالًا كثيرًا، ولم يأخذ منه الحارث شيئًا، وقال، في معنى الخبر: أهل ملتين لا يتوارثان. وهذا الخبر ورد في تاريخ بغداد وسير أعلام النبلاء وغيرهما بصيغة النقل، وبقي الحارث فقيرًا مع أن أباه ترك مالًا. وهو من أخبار الورع الشخصي، ولا نجزم بتفاصيله.

وينبغي أن نبيّن هنا أن هذا الورع لا يعني حكمًا شرعيًّا عامًّا؛ فالحديث في التوارث هو قول النبي ﷺ: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» متفق عليه من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما. وقوله ﷺ: «لا يتوارث أهل ملتين شتى» رواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. والمقرر عند الفقهاء أن المسلم المبتدع، ما لم يخرج ببدعته عن الإسلام، يرث ويورث، لأن الاختلاف في مسائل الاعتقاد بين المسلمين لا يجعلهم أهل ملتين. فتصرف الحارث رحمه الله كان من باب التورع الشخصي واجتهاده في نفسه، وليس حكمًا تنبني عليه الأحكام.

— نقد الأئمة لكتبه — ومن اللافت أن أئمة الحديث تحفظوا على الحارث مع ثناء الناس على زهده. فقد ذكر الذهبي في «السير» عن أبي زرعة الرازي أن رجلًا سأله عن كتب الحارث، فقال له في معنى ما نقل: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك. فقيل له: في هذه الكتب عبرة. فقال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة. وقال ما معناه: بلغكم أن مالكًا وسفيان والأوزاعي صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس؟ ما أسرع الناس إلى البدع! ونُقل عن الإمام أحمد بن حنبل تحذير من مجالسته، لما كان عند الحارث من الخوض في الكلام. وهذه المواقف مشهورة عن أهل الحديث، وسببها أن الحارث كان يتكلم في مسائل الاعتقاد بطريقة أهل الكلام، وقد كان السلف يشددون في ذلك.

وليس معنى هذا أن كل ما في كتب الحارث باطل، فقد أنصف الذهبي حين قال في معنى كلامه إن في كتبه فوائد نافعة في الزهد والمحاسبة، وفيها ما ينتقد، وإن الرجل كان صالحًا ربانيًّا. والمنهج الصحيح أن يؤخذ من كلامه ما وافق الكتاب والسنة، ويترك ما خالف. وهذا ما فعله العلماء مع كثير من مصنفات الزهد.

— الجنازة — وتذكر كتب التراجم أنه مات ببغداد سنة ثلاث وأربعين ومئتين، وأن الناس لم يحضروا جنازته كما يحضرونها لأمثاله، وقيل إنه لم يصلِّ عليه إلا أربعة نفر. وهذه الرواية في تاريخ بغداد وغيره بصيغة التمريض، فلا نجزم بها. وإن صحت فسببها ما كان في عصره من الخلاف في مسائل الكلام واشتداد العامة في الإنكار على من يخوض فيه، لا أن الرجل كان مبتدعًا بالمعنى الذي يُخرج من السنة. وعلينا أن نذكر محاسنه، وأن نسأل الله له المغفرة.

— ما نتعلمه من سيرته — في سيرة الحارث عبرتان: الأولى في محاسبة النفس، فهي عبادة قلبية مأمور بها في الكتاب والسنة. والثانية في الحذر من الخوض في مسائل لم يأمر بها الشرع، كالتتبع في الوساوس والكلام في ذات الله بغير علم. وقد اجتمع في سيرته ما ينفع وما يُحذر منه، فنستفيد من الأول ونتجنب الثاني، ونسأل الله السلامة.

— تنبيه على الدرجة — مولده ووفاته معروفان في التراجم. وخبر ترك الميراث مشهور في تاريخ بغداد والسير ولا إسناد محرر له، ويُحمل على ورع شخصي لا حكم عام. وأقوال أبي زرعة وأحمد في تحذيرهما من كتبه ومجالسته مشهورة في السير. وخبر أنه لم يصلِّ عليه إلا أربعة مروي بصيغة التمريض فلا يجزم به. وحديث «لا يرث المسلم الكافر» متفق عليه، وحديث «لا يتوارث أهل ملتين» رواه أبو داود وابن ماجه وصححه بعضهم. وأثر عمر «حاسبوا أنفسكم» في إسناده انقطاع ومعناه صحيح.

العبرة

محاسبة النفس عبادة قلبية أصلها في القرآن، والورع الشخصي لا يصير حكمًا عامًّا، وكل كلام في الزهد يُعرض على الكتاب والسنة قبل أن يُتّبع.

المصدر: تاريخ بغداد للخطيب (ترجمة الحارث المحاسبي)؛ سير أعلام النبلاء للذهبي؛ تفسير ابن كثير (سورة الحشر: ولتنظر نفس ما قدمت لغد)؛ صحيح البخاري ومسلم (حديث أسامة بن زيد في الميراث)؛ سنن أبي داود (كتاب الفرائض)

الدرجة: سيرته ووفاته معروفتان؛ خبر ترك الميراث وخبر الجنازة مشهوران بلا إسناد محرر ويذكران بصيغة النقل؛ تحذير أبي زرعة وأحمد من كتبه مشهور؛ حديث الميراث متفق عليه؛ أثر عمر في المحاسبة معناه صحيح وفي إسناده انقطاع