— من هو الجنيد — هو أبو القاسم الجنيد بن محمد القواريري الخزاز، أصله من نهاوند، ونشأ في بغداد وتوفي فيها سنة سبع وتسعين ومئتين. وكان ابن أخت السري السقطي وتلميذه، وصحب الحارث المحاسبي، وتفقه على مذهب الشافعي على يد أبي ثور الكلبي، كما ذكر الخطيب والذهبي. وجمع بين الفقه والزهد، حتى لقبه الذهبي بسيد الطائفة، يعني الطائفة المتنسكة المتزهدة التي سُميت بعد ذلك الصوفية. وليس في هذه التسمية ما يعنينا هنا، وإنما نتحدث عن موقف الرجل من الكتاب والسنة.
— قيد الكتاب والسنة — اشتهر عنه، في ما نقله القشيري في «الرسالة» والخطيب والذهبي وغيرهم، عبارات واضحة في وجوب التقيد بالشرع. فمن ذلك قوله، في معنى ما نُقل عنه: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، من لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يُقتدى به في هذا الأمر. ومن ذلك قوله إن الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول ﷺ واتبع سنته ولزم طريقته. وهي عبارات تدل على أن الجنيد لم يكن يرى طريقًا إلى الله إلا من خلال الاتباع. وهي مشهورة في كتب التراجم، ولا نجزم بحروف ألفاظها.
وهذا موافق لما أمر الله به في كتابه؛ قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. وفي الحديث المتفق عليه من رواية عائشة رضي الله عنها قال النبي ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». فمن اتبع ذلك كان على الطريق، ومن خالفه فلا اعتبار بدعواه ولو ادعى المقامات العالية.
وقد بيّن ابن كثير في تفسير الآية أنها أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله. وعلى هذا الأصل كان الجنيد يدور.
— خطر دعوى إسقاط التكاليف — ومما يُروى عن الجنيد، في ما ذكره القشيري وغيره، أنه سئل عن قوم يزعمون أن أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الأعمال، فأنكر ذلك أشد الإنكار، وقال في معنى كلامه إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال، وهو عنده عظيمة، وإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله وإليه رجعوا فيها، وإنه لو عاش ألف عام لم ينقص من أعمال البر شيئًا. وهذا المعنى مروي عنه بألفاظ متقاربة، ولا نجزم بحروفه.
ويشهد لهذا الإنكار قول الله تعالى لنبيه ﷺ في سورة الحجر: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. وقد ذكر ابن كثير أن اليقين هنا هو الموت، وهو قول جماعة من السلف، فلا يسقط التكليف عن أحد ما دام حيًّا عاقلًا، مهما بلغ في الزهد والمعرفة. فمن زعم أن بعض الناس يبلغ مرتبة تسقط عنه الصلاة والصيام فقد خالف نص القرآن وإجماع المسلمين.
— قصة الشكر — ومن الأخبار الشهيرة في ترجمته، في ما أورده القشيري ونقله غيره، أن الجنيد كان صغيرًا، يقال ابن سبع سنين، يلعب بين يدي خاله السري السقطي، وأن السري سأله وبحضرة جماعة: يا غلام، ما الشكر؟ فقال: ألّا يُعصى الله بنعمه. فقال السري: أخشى أن يكون حظك من الله لسانك. قال الجنيد: فما زلت أبكي على قوله. وهذه القصة مشهورة، وإن كنا لم نقف على إسناد محرر لها، فنوردها نقلًا. وفيها تعليم لطالب العلم: أن الجواب الحسن لا يغني عن العمل، وأن الشاب الذكي ينبغي أن يُذكَّر بأن العلم أمانة.
ومعنى الشكر المذكور في الجواب موافق لما قاله أهل العلم: إن شكر النعمة يكون بالقلب واللسان والجوارح، وأن من صرف النعمة في معصية فقد كفرها. وقال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ في سورة سبأ، وذكر المفسرون أن الشكر يكون بالعمل لا باللسان وحده.
— الفقيه الزاهد — ذُكر أن الجنيد كان يفتي على مذهب أبي ثور، وهو من تلاميذ الشافعي، وأنه كان يجلس في حلقته للعلم. وهذا يدل على أنه لم يكن زاهدًا منعزلًا عن الفقه والسنن. وروي أنه كان ينكر على من يدعي الوصول وهو يترك الفرائض. وقد عاش في عصر دخل فيه الكلام في الأحوال والمقامات إلى كثير من المتنسكين، فكانت مواقفه ضابطة لهم. وأثنى عليه علماء كثيرون في عصور مختلفة بالاستقامة، ومنهم الذهبي وابن تيمية فيما يُنقل عنهما، مع أن كلاً منهما انتقد كثيرًا مما وقع بعده في التصوف.
— ما يحتاج إلى تنبيه — ومن الإنصاف أن يُقال إن في بعض عبارات الجنيد، كما نُقلت في كتب الصوفية، ما فيه غموض، وإن بعضها لا يصح إسناده، وإن الأولى أن تُعرض على الكتاب والسنة كما أراد هو نفسه. وكثير من الأخبار المنسوبة إليه من الكرامات والحوادث لا يُعتمد عليها. وقد تجنبنا في هذا المقام كل ما لا نطمئن إلى ثبوته.
— وفاته — توفي الجنيد في بغداد سنة سبع وتسعين ومئتين، ودُفن في الشونيزية قرب خاله السري على ما ذكروا. وقد ترك رسائل متفرقة وأقوالًا جمعها تلاميذه. وتبقى سيرته مثالًا على الجمع بين العلم والزهد.
— تنبيه على الدرجة — وفاته وبلده وشيوخه مشهورة في كتب التراجم. العبارات المنسوبة إليه في التقيد بالكتاب والسنة مشهورة في الرسالة القشيرية وتاريخ بغداد والسير، والمعنى ثابت دون جزم بالألفاظ. وقصة السري والشكر مشهورة بلا إسناد محرر. وحديث «من أحدث في أمرنا هذا» متفق عليه. والكرامات المنسوبة إليه تُركت لعدم ثبوتها.
