Islamic MixIslamic Mix
‹ علماء القرون الأولى
علماء القرون الأولىمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

المدونة: من الأسدية إلى سحنون كيف دُوّن مذهب المغرب

أسد بن الفرات وسحنون رحمهما الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

— علم المدينة ينتقل إلى المغرب — كان الإمام مالك بن أنس في المدينة، وكان تلاميذه يأتونه من الآفاق، فيسمعون منه «الموطأ» ويسألونه، ثم يعودون إلى بلادهم. وكان من أصحابه في مصر عبد الرحمن بن القاسم وعبد الله بن وهب وأشهب بن عبد العزيز، ومن أهل المغرب علي بن زياد وأسد بن الفرات وغيرهم. وسنذكر هنا كيف تحوّل علم مالك من كتاب مختصر في الحديث والآثار إلى مدونة فقهية كبرى انتشرت في إفريقية والأندلس، وكيف مر ذلك بمرحلتين: الأسدية ثم المدونة.

— أسد بن الفرات — هو أسد بن الفرات بن سنان، مولى بني سُليم، ولد في حرّان على ما ذكروا سنة اثنتين وأربعين ومئة، وقدم به أبوه إلى إفريقية، فنشأ في القيروان وتونس. ثم رحل إلى المشرق، فسمع من مالك في المدينة، وأخذ الفقه العراقي عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن، ثم قصد مصر ولقي عبد الرحمن بن القاسم تلميذ مالك. وكان أسد قد تعلم في العراق طريقة السؤال الافتراضي، فكان يسأل عن المسألة الفقهية ويفرّع عليها، فجعل يسأل ابن القاسم فيجيب بما سمع من مالك أو بما يجتهد على أصول مالك. فجمع أسد ما أجابه به ابن القاسم في كتاب عُرف بـ«الأسدية».

وولي أسد قضاء القيروان سنة ثلاث ومئتين في دولة الأغالبة، ثم خرج على رأس جيش المسلمين لفتح صقلية سنة اثنتي عشرة ومئتين، وتوفي سنة ثلاث عشرة ومئتين أثناء حصار سرقوسة، وقد مرت قصته في موضع آخر.

— سحنون — أما سحنون فهو عبد السلام بن سعيد التنوخي، لقبه سحنون، ولد في القيروان سنة ستين ومئة، وطلب العلم في إفريقية، ثم رحل إلى المشرق نحو سنة ثمان وسبعين ومئة، فلقي في مصر ابن القاسم وابن وهب وأشهب، وفي الحجاز غيرهم. ثم عاد إلى القيروان وجلس للتدريس. وأخذ الأسدية التي كان أسد قد دونها، فعرضها على ابن القاسم، فنقّحها ابن القاسم وغيّر في بعض ما فيها ورجع عن بعض الأجوبة، وفق ما تذكره كتب التراجم، كـ«ترتيب المدارك» للقاضي عياض. ثم رتب سحنون المسائل في أبواب، وأضاف إليها ما صح عنده من الآثار، فكانت «المدونة». وسميت بهذا لأنها «المدونة» أي المكتوبة المجموعة.

— كيف كُتبت المسائل — ومن أبرز ما يلاحظه قارئ المدونة أن مادتها مبنية على السؤال والجواب، فيقول السائل فيها لابن القاسم: أرأيت لو كان كذا، فيجيب ابن القاسم بقول مالك إن كان قد سمعه منه، أو بما يراه على أصول مالك إن لم يسمع فيه شيئًا. وهذه الطريقة في الأسئلة الافتراضية كانت معروفة عند الفقهاء العراقيين، وقد تعلمها أسد في العراق ونقلها إلى المغرب، فكانت الأسدية على هذا النمط، ثم احتفظت المدونة به. ويدل هذا على أن مدارس الفقه لم تكن منعزلة، بل كانت تتبادل المناهج.

— الاختلاف بين الرجلين — وذكر القاضي عياض وغيره أنه وقع بين أسد وسحنون شيء من الجفاء بسبب هذا الأمر، إذ لم يرضَ أسد أن يُنقّح كتابه على هذا النحو، وبقي على أسديته. ولكن تفاصيل هذا الخلاف مروية على أوجه مختلفة، ولا نجزم بشيء منها، إذ لم نحرر الأسانيد. والمقصود أن المدونة لم تبطل الأسدية فقط، بل تفوقت بسبب ما فيها من التنقيح والصحة. والتفاوت بين العلماء في ذلك أمر طبيعي في مثل هذه المسائل.

— مكانة المدونة — صارت المدونة أصل المذهب المالكي في المغرب والأندلس، وعليها دارت الدراسات والشروح والمختصرات، فاختصرها أبو سعيد البراذعي في «التهذيب»، وشرحها المتأخرون. وهي ليست رواية محضة عن مالك، وإنما هي رواية ابن القاسم عن مالك، وفيها اجتهادات ابن القاسم وسحنون. ولذلك ينبه العلماء أن ما فيها ينبغي أن يميّز فيه بين قول مالك وقول ابن القاسم. وقد ذكر بعضهم أن في المدونة مسائل رجع عنها مالك أو لم يصح عنه.

— قاضي القيروان — وتولى سحنون القضاء بالقيروان سنة أربع وثلاثين ومئتين على ما ذُكر بعد إلحاح من الأمير، وبقي فيه حتى توفي في رجب سنة أربعين ومئتين، وهو في ثمانين من عمره. ويذكر المترجمون له صلابة في الحق وزهدًا في الدنيا. ولا نذكر هنا تفاصيل ما رُوي من قصصه لأن أكثرها بلا إسناد محرر.

وأثمرت المدونة مدرسة القيروان الفقهية، فنشأ فيها بعد قرون علماء كبار كابن أبي زيد القيرواني صاحب الرسالة، وبقيت القيروان مركزًا للمذهب المالكي في إفريقية. ومن هنا نفهم أهمية التدوين: فلو بقي علم ابن القاسم في صدور تلاميذه لم يبلغ ما بلغ.

— مغزى القصة — هذه القصة تبين أن العلم يُنقل ويُنقّح جيلًا بعد جيل، وأن الكتاب الواحد قد يمر بمراحل من التحرير. وتبين أيضًا أن الرحلة في طلب العلم كانت من أسباب اتصال علماء المغرب بعلماء المشرق، وأن تلميذ مالك الذي كتب في مصر تحوّل علمه إلى القيروان، ومنها إلى الأندلس.

— تنبيه على الدرجة — مراحل تدوين الأسدية والمدونة وأسماء أصحابها مشهورة في ترتيب المدارك وغيره. تواريخ الولادة والوفاة والرحلات مذكورة في التراجم بفروق يسيرة بين الروايات (ولادة أسد وسحنون ورحلة سحنون وولايته القضاء). وخبر الجفاء بين أسد وسحنون مروي على أوجه مختلفة ولا يجزم بتفاصيله. وقصص صلابة سحنون وزهده تُنقل بلا أسانيد محررة.

العبرة

العلم يمرّ بالتنقيح والمراجعة جيلًا بعد جيل، والرحلة والأخذ عن أهل الاختصاص يجمعان بين الأمصار، والاختلاف بين التلاميذ لا ينقص من فضلهم.

المصدر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (تراجم أسد بن الفرات وسحنون)؛ رياض النفوس للمالكي؛ سير أعلام النبلاء للذهبي (ترجمتا أسد وسحنون)

الدرجة: مراحل الأسدية ثم المدونة مشهورة في كتب طبقات المالكية؛ التواريخ التفصيلية فيها خلاف يسير؛ خبر الجفاء بين أسد وسحنون مروي على أوجه ولا يجزم به؛ وقصص صلابة سحنون بلا أسانيد محررة