— قارئ الكوفة — هو أبو بكر شعبة بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي، وُلد سنة خمس وتسعين على المشهور، وعاش في الكوفة حتى توفي في جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومئة، وقد قارب المئة. وهو أحد راويي قراءة عاصم بن أبي النجود، إمام قراء الكوفة، والراوي الآخر هو حفص بن سليمان. وقراءة عاصم برواية حفص هي أكثر القراءات انتشارًا اليوم في العالم الإسلامي، وأما رواية شعبة فهي كذلك قراءة متواترة معتمدة. وقد وصف الحافظ ابن حجر في «التقريب» حال أبي بكر في الحديث بأنه ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح.
— القرآن أُنزل على سبعة أحرف — ولفهم قيمة أسانيد القراءات نرجع إلى الأصل: ما رواه البخاري ومسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما يقرؤها عمر، وكان النبي ﷺ قد أقرأ كلًّا منهما، فكاد عمر يعاجله في الصلاة، ثم لببه بردائه وساقه إلى النبي ﷺ. فقال ﷺ: «أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ»، فقرأ، فقال: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ»، ثم قال لعمر: «اقْرَأْ»، فقرأ، فقال: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ». فتعدد القراءات ثابت من النبي ﷺ، وحفظه أهل كل مصر عن صحابة نزلوا عندهم، ومن هنا اشتهرت قراءة أهل الكوفة التي أخذها عاصم عن أبي عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش.
— قراء الكوفة — وكان عاصم بن أبي النجود، شيخ أبي بكر، من كبار قراء الكوفة، وتوفي سنة سبع وعشرين ومئة أو بعدها بقليل على اختلاف الروايات. وقد اشتهرت الكوفة بالقراءة لأنها نزلها كثير من الصحابة، وفيهم ابن مسعود الذي أرسله عمر رضي الله عنه معلمًا لأهلها. وكان أبو بكر ممن لزم عاصمًا وحمل عنه القراءة. وقد جاء في القرآن الأمر بتجويد القراءة وترتيلها، قال تعالى في سورة المزمل: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، وذكر ابن كثير أن المراد أن يقرأه على تمهل، فإن ذلك عون على فهمه وتدبره.
— السند عن عاصم — ومن أشهر ما يرويه أبو بكر عن شيخه عاصم، كما ذكر الذهبي وابن الجزري وغيرهما، ما معناه أن عاصمًا قال له إنه ما أقرأه أحد حرفًا إلا أبو عبد الرحمن السلمي، وكان أبو عبد الرحمن قد قرأ على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان عاصم يرجع من عنده فيعرض ما قرأه على زر بن حبيش، وكان زر قد قرأ على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. فاجتمع لعاصم قراءة علي وقراءة ابن مسعود بإسنادين عاليين. وهذا السند مشهور في كتب القراءات، ويرويه أبو بكر عن عاصم بهذا المعنى.
وفي قراءة ابن مسعود جاء الحديث: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ»، رواه أحمد وابن ماجه وصححه جماعة من أهل العلم، وابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وفي قراءة علي رضي الله عنه وأنه من كبار الصحابة في القرآن ما استفاض. فشعبة يحمل هذين الإسنادين عن شيخه.
وأبو عبد الرحمن السلمي، شيخ عاصم، هو راوي حديث البخاري عن عثمان رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». وقد قال أبو عبد الرحمن عقب روايته: فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا، وكان يُقرئ القرآن في إمرة عثمان رضي الله عنه حتى كان الحجاج. وهذا مما يدل على أن سلسلة القراءة في الكوفة كانت مبنية على حرص على التعليم دام عقودًا.
وكان حفص بن سليمان، راوي عاصم الآخر، ربيبًا لعاصم، أي ابن زوجته، فلازمه طويلًا. وبذلك اجتمع لعاصم راويان: أحدهما أبو بكر شعبة، والآخر حفص، وكلاهما حمل عنه القراءة.
— أهل السنة عند أبي بكر — ومما يُنسب إلى أبي بكر بن عياش، فيما نقل الذهبي، قوله في معنى كلامه: السني الذي إذا ذكرت الأهواء لم يتعصب لشيء منها. أي أن السني لا ينتصر لهوى من الأهواء ولا يتحيز لبدعة. وهذه العبارة تُروى عنه ولا نقف على إسناد محرر لها، لكنها تلخص منهج أهل السنة في الاتباع.
— ثبوت الحديث وضعفه — قراءته متواترة معتمدة، أما حديثه فقد أخرج له البخاري في صحيحه، وأخرج له مسلم في المقدمة، والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وفرّق العلماء بين ثبوته في القراءة وبين مرتبته في الحديث، فهو في القراءة حجة، وفي الحديث ثقة وإن ساء حفظه في آخره، وكتابه صحيح كما قال ابن حجر. وهذا مثال على أن الراوي قد يكون إمامًا في فن ومتوسطًا في فن آخر، وأن النقاد ينزلون الناس منازلهم.
— وفاته — ورد في ترجمته أنه عمّر طويلًا، وتوفي سنة ثلاث وتسعين ومئة. وله قصة مستقلة في وفاته وما نقله أهله عن عبادته. وتبقى سيرته معروفة بصبره على القرآن وتعليمه.
— تنبيه على الدرجة — وفاته وعمره وروايته لقراءة عاصم معروفة في كتب القراءات والتراجم، وسند عاصم إلى علي وابن مسعود مشهور. وحديث «أُنزل القرآن على سبعة أحرف» متفق عليه. وحديث «من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا» رواه أحمد وابن ماجه وصححه جماعة. وقول ابن حجر في حاله في التقريب بمعناه. وعبارته في أهل السنة تُروى عنه بلا إسناد محرر عندنا.
