— رحلة من أقصى الغرب — هو أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد القرطبي، وُلد في الأندلس سنة إحدى ومئتين، وتوفي بقرطبة سنة ست وسبعين ومئتين، وكان من أكبر محدثي الأندلس. وقد ذكر الذهبي في «سير أعلام النبلاء» أنه رحل إلى المشرق في طلب الحديث، ومشى في ذلك على قدميه، وسمع من عشرات الشيوخ، منهم أبو بكر بن أبي شيبة وأخوه عثمان وهشام بن عمار وغيرهم من أئمة الحديث. وكان قصده الأعظم أن يلقى الإمام أحمد بن حنبل ببغداد ويسمع منه. وكانت الرحلة من الأندلس إلى العراق تقطع المغرب ومصر والشام، وتستغرق شهورًا بل سنين، وهي من أعظم ما بذله طلبة العلم.
— الأمر الذي ألمّ به عند الوصول — وتروي كتب التراجم قصته مع الإمام أحمد بما معناه أنه لما قرب من بغداد بلغه خبر المحنة التي كان فيها أحمد، وأن السلطان منعه من التحديث ومن لقاء الناس. فاغتم لذلك غمًّا شديدًا، فلما دخل بغداد حطّ رحله وذهب إلى باب الإمام أحمد فدقّه. فخرج إليه أحمد وسأله عن حاجته، فقال: غريب، وهذه أول دخلة لي في هذا البلد، وأنا طالب حديث وسنّة، وما أخرجني من بلدي إلا لقاؤك والكتب عنك. فأدخله أحمد إلى منزله، وسأله من أين هو، فقال: من المغرب الأقصى. فقال أحمد ما معناه: إن موضعك لبعيد، وما كان شيء أحب إليّ من أن أحسن عونك، غير أني ممتحن بما لعله بلغك.
فقال بقي: قد بلغني، وأنا قريب العهد بالدخول إلى بلدكم، وأنا غير معروف عندكم، فإن أذنت لي أن آتيك كل يوم في زي السائلين، فأقف على الباب وأقول: الأجر رحمكم الله، فتخرج إليّ، ولو لم تحدثني كل يوم إلا بحديث واحد لكان لي فيه كفاية. فقال له أحمد: نعم، على شرط ألا تظهر في حلقة محدث ولا عند أحد. فاتفقا على ذلك، فكان بقي يأخذ عصاه ويلف رأسه ويتخذ هيئة الفقراء، ويقف بالباب، فيخرج إليه أحمد فيحدثه الحديثين والثلاثة، حتى اجتمع له عنده عدد صالح من الأحاديث.
هذه الرواية مشهورة في ترجمة بقي بن مخلد، ويذكرها الذهبي وغيره عن بقي نفسه أو عن أصحابه، ولم نقف لها على إسناد محرر، فنوردها على سبيل النقل. وهي لا تخالف المعروف عن أحمد من الشدة في الصبر على المحنة، ولا المعروف عن علماء الأندلس من شدة الحرص على الرحلة.
— الاحتيال لطلب العلم — وفيها معنى بديع: أن طالب العلم يتحمل المشقة، ويتخذ من الوسائل المشروعة ما يوصله إلى مطلوبه ما دام لا يخالف الشرع. وقد روى البخاري ومسلم حديث موسى والخضر، وفي القرآن الكريم قول موسى عليه السلام لفتاه: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ في سورة الكهف، فجعل الرحلة في طلب العلم مثلًا للصبر والعزم. وقد استدل أهل العلم بهذه الآيات على فضل الرحلة في طلب العلم، كما ذكر السعدي في فوائد قصة موسى والخضر.
— فضل الرحلة في الكتاب والسنة — وقد جاء في السنة ما يشجع طالب العلم على السفر والبذل، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ». وبوّب البخاري في كتاب العلم بابًا للخروج في طلب العلم، وذكر فيه رحلة جابر بن عبد الله رضي الله عنهما شهرًا إلى عبد الله بن أنيس ليسمع منه حديثًا واحدًا. وفي سورة التوبة قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. وقد ذكر المفسرون في هذه الآية أقوالًا، منها أن المراد أن تخرج طائفة من كل قوم لطلب الفقه في الدين ثم ترجع فتعلّم قومها. وعلى هذا المعنى مضى علماء الأندلس والمغرب، فكانوا يقطعون الفيافي والبحار للقاء أئمة المشرق ثم يعودون بعلمهم إلى بلادهم.
— ما أخذه معه إلى الأندلس — عاد بقي إلى الأندلس ومعه علم كثير، وألف كتبًا منها «المسند» الذي رتبه على أسماء الصحابة، وقيل إن عدد الصحابة الذين روى عنهم فيه يتجاوز ألفًا، وفيه الحديث مرتب على أبواب الفقه. وله «التفسير» الذي قال فيه الإمام ابن حزم، كما نقل الذهبي، ما معناه أنه لا يعلم أنه ألف في الإسلام تفسير مثله. وهذه شهادة كبيرة من عالم لا يجامل. وللأسف لم يصل إلينا هذان الكتابان كاملين.
— ما ناله من أذى — وتذكر كتب التراجم أنه ناله في الأندلس بعض الأذى من متعصبة لمذهب كان غالبًا في البلد، لأنه كان يأخذ بالحديث وينشره، وأن الأمير ذبّ عنه. ولا نقف على تفاصيل محررة لهذا الخبر، فنكتفي بالإشارة. وهذا من أحوال العلماء الذين ينقلون علمًا جديدًا إلى بلاد اعتادت على نمط معين.
— تنبيه على الدرجة — ولادته ووفاته ورحلته وكتاباه مشهورة في ترجمته. وقصة الأذى من فقهاء بلده وتفصيل لقائه بأحمد مروية في السير بلا إسناد محرر عندنا، فنقلناها بمعناها. وأقوال الأئمة في فضل الرحلة ثابتة في القرآن والسنة. وقول ابن حزم في تفسيره نقله الذهبي.
