— فقيه مصر — هو أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي الفهري مولاهم، المصري، وُلد سنة خمس وعشرين ومئة، وتوفي بمصر سنة سبع وتسعين ومئة. صحب الإمام مالك بن أنس سنين طويلة، وروى عن الليث بن سعد وابن لهيعة وابن جريج وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وجماعة، وصنف كتبًا في الحديث والتفسير والفقه، منها «الجامع» وهو مطبوع، فيه أحاديث وآثار في الآداب والرقائق والفتن، وهو من أقدم ما دُوّن من الكتب الجامعة. وذكر الذهبي أن الإمام مالكًا كتب إليه كتابًا قال فيه إلى عبد الله بن وهب فقيه مصر، وهي عبارة تدل على مكانته عنده.
— رفضه القضاء — وذكر المترجمون له أنه عُرض عليه القضاء، فامتنع، ويُذكر أنه لزم بيته واختفى حتى لا يُولّى. وكان أهل العلم في ذلك الزمان يرون القضاء خطرًا على الدين، فروى أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ»، وهو حديث صححه بعض أهل العلم. ولا نقف على تفاصيل خبره في الاختفاء بإسناد قوي، فنكتفي بأصل الخبر.
— كتاب أهوال القيامة — وأشهر ما يُروى في ترجمته خوفه من الله تعالى، وقد ذكر الذهبي في «السير» أنه قُرئ عليه ذات يوم كتاب فيه أهوال يوم القيامة، وهو من كتبه في الجامع، فغشي عليه، فلم يتكلم بعد ذلك حتى مات. وذكر بعضهم أنه عاش بعد ذلك أيامًا، وقيل إنه بقي في غشيته إلى أن توفي. وهذا الخبر مشهور في ترجمته لا نعلم ما يعارضه، وإن كنا لم نحرر إسناده، فنوردها نقلًا ولا نجزم بتفاصيلها.
وليس في ذلك غرابة، فقد وصف القرآن الكريم هول يوم القيامة وصفًا يخلع القلوب، قال تعالى في أول سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾. وقد ذكر ابن كثير في تفسيرها أحاديث في أهوال ذلك اليوم. وقال تعالى في سورة الحشر عن القرآن: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، فإذا كان الجبل يخشع لو أنزل عليه القرآن، فكيف بقلب مؤمن يسمع وصف الآخرة.
— الخوف المحمود — والخوف من الله عبادة، وهو من علامات الإيمان، قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. وقد وردت الأحاديث في فضل البكاء من خشية الله، منها حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: «وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ومع ذلك فقد اعتدل السلف في ذلك، فلا يُشرع للمسلم أن يوقع نفسه في الهلاك، وإنما يجمع بين الخوف والرجاء. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. وكان أئمة السلف يقولون إن الخوف والرجاء للمؤمن كجناحي الطائر.
— لماذا كانت أهوال القيامة تخلع القلوب — وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بوصف شيء من أهوال يوم القيامة. ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «يُحْشَرُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»، فقالت: يا رسول الله، النساء والرجال جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: «الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ». وروى مسلم من حديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ، فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ». وفي القرآن قال الله تعالى في سورة المطففين: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فمن استحضر هذه النصوص لم يستغرب أن يتأثر قلب عالم ورع بسماعها حتى يغشى عليه.
وقد وردت في سير السلف أخبار نظيرة لهذا الخبر، فيها من خشع عند سماع آية أو حديث حتى فارقت روحه جسده، كما سُمع في ترجمة زرارة بن أوفى رحمه الله الذي قيل إنه صلّى بالناس الفجر فقرأ سورة المدثر، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ خرّ ميتًا. وهذا الأخير مذكور في كتب التراجم ولا نجزم بإسناده، وإنما نذكره مثالًا على ما ذكره المترجمون من خشية السلف.
— علمه وكتبه — وكان ابن وهب من أكثر أصحاب مالك رواية للحديث، وكانت روايته للموطأ برواية مستقلة. وللإمام ابن وهب أثر في نقل علم مالك والليث إلى الأجيال، وقد اعتمد عليه الأئمة في ذلك. وقال أحمد بن حنبل فيما نُقل عنه في معنى كلامه إنه ثقة. وأورده الذهبي في الحفاظ.
— وفاته — توفي ابن وهب بمصر في شعبان سنة سبع وتسعين ومئة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.
— تنبيه على الدرجة — وفاته ومولده وكتبه المنسوبة إليه مشهورة. وخبر الغشي عند سماع أهوال القيامة مشهور في ترجمته بلا إسناد محرر، فيُنقل ولا يُجزم بتفاصيله. وخبر امتناعه عن القضاء مشهور بلا إسناد قوي. وحديث «من جعل قاضيًا فقد ذبح بغير سكين» رواه أصحاب السنن وصححه بعضهم. وحديث السبعة متفق عليه.
