Islamic MixIslamic Mix
‹ علماء القرون الأولى
علماء القرون الأولىمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

الأعمش يرد على الخليفة: لو كان لعثمان مناقب أهل الأرض

سليمان بن مهران الأعمش رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

— الأعمش، مصحف الصدق — هو أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي الكوفي الأعمش، وُلد سنة إحدى وستين، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومئة. عُرف بالأعمش لضعف بصره، وكان من كبار أتباع التابعين في الكوفة، ورأى أنس بن مالك، وروى عن أبي وائل وإبراهيم النخعي وزيد بن وهب وغيرهم، وروى عنه شعبة والثوري ووكيع وخلق. وكان محدثًا مقرئًا. ومن أشهر ما قاله فيه الأئمة أنه كان يُلقب بالمصحف لصدقه، كما ذكر الذهبي وغيره. وكان فقيرًا متقللًا مع علمه، قليل المال، وكان الناس يأتون إليه ليأخذوا العلم، وهو يعيش في الكوفة.

— رسالة هشام — وفي كتب التراجم، ومنها «سير أعلام النبلاء» و«تاريخ بغداد»، خبر أن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، وكان في خلافته من سنة خمس ومئة إلى سنة خمس وعشرين ومئة، أرسل إلى الأعمش يطلب منه أن يكتب له مناقب عثمان رضي الله عنه ومساوئ علي رضي الله عنه. فأخذ الأعمش الصحيفة فأدخلها في فم شاة فمضغتها، ثم قال لرسول الخليفة: قل له هذا جوابك. فخاف الرسول على نفسه وتوسل إليه ألا يعرّضه لغضب الخليفة، فكتب الأعمش في معنى ما يُروى: يا أمير المؤمنين، لو كان لعثمان مناقب أهل الأرض ما نفعك، ولو كان لعلي مساوئ أهل الأرض ما ضرك، فعليك بخويصة نفسك. هذا الخبر مشهور في كتب التراجم، يرويه الخطيب والذهبي وغيرهما، وفي إسناده كلام، وتختلف ألفاظه من رواية إلى أخرى، فنوردها نقلًا بمعناها. والمعنى المحفوظ فيه واضح: أن الأعمش رفض أن يكتب ما يُراد منه من فضائل وعيوب لإرضاء السلطان.

— الميزان الشرعي — وفي رد الأعمش فقه صحيح: فالمسلم مسؤول عن عمله لا عن عمل غيره، قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقد ذكر ابن كثير في تفسير الآية أن لكل أمة ما كسبت من خير أو شر، وأن كل إنسان يُسأل عن عمله لا عن عمل غيره. وقد استدل بها كثير من أهل العلم في وجوب الكف عما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم.

والواجب شرعًا الإمساك عن سب الصحابة، وقد قال النبي ﷺ: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. فالصحابة كلهم عدول، وفيهم عثمان وعلي رضي الله عنهما من العشرة المبشرين بالجنة. ومن كتب في مثالب أحدهم أو غلا في فضل أحدهم على غيره لهوى سياسي وقع في ما نُهي عنه. وكان موقف الأعمش موقف العالم الذي لا يجعل علمه أداة لخصومات الحكام.

— شجاعة العالم — ولا ينبغي أن نغفل عن الشجاعة في هذا الموقف: فقد كان هشام خليفة، والأعمش فقيرًا ضعيف البصر يعيش في الكوفة، ومع ذلك لم يتردد في الرد. وهذا ما يشبه مواقف سعيد بن جبير والحسن البصري والأوزاعي وغيرهم من العلماء الذين وقفوا في وجه الحكام. وإن كنا لا ندري تفاصيل ما جرى بعد ذلك، ولا نقف على ما يدل على أن هشامًا آذاه.

— خلفية سياسية — وكان في العهد الأموي من الحكام من يميل إلى تقديم عثمان رضي الله عنه وإلى النيل من علي رضي الله عنه، حتى إن سب علي على المنابر شاع عند بعض الولاة، ثم أبطله عمر بن عبد العزيز رحمه الله كما ذكر المؤرخون، ومنهم الطبري وابن كثير، واستبدل به قراءة قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. وفي هذا الجو السياسي يُفهم طلب هشام من العالم أن يكتب له ما يخدم هذه الدعوة، ويُفهم قدر موقف الأعمش.

— محافظته على الصلاة — ومما يُروى في ترجمته، فيما ذكر الذهبي عن وكيع، أن الأعمش كان قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى مع الإمام. ولا نحرر إسناد هذا الخبر، ولكنه يتسق مع ما عُرف عنه من الورع. وقد قال النبي ﷺ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا» رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. فكان علمه مقرونًا بعبادة.

— علمه وفضله — وكان الأعمش من أئمة القراءة، وله قراءة منسوبة إليه، ومن أحفظ الناس للحديث في الكوفة، حتى قال بعض الأئمة إنه من أعلم الناس بحديث إبراهيم النخعي وأبي وائل. وقد وصفه الأئمة بالتدليس في بعض أحاديثه، أي أنه كان يروي أحيانًا عمن لقيه بصيغة توهم السماع، وقد عدّه ابن حجر من المرتبة الثانية من المدلسين، الذين احتمل الأئمة تدليسهم لقلته أو لأنهم لا يدلسون إلا عن ثقة. وهذا من الإنصاف أن نذكره.

— وفاته — توفي الأعمش بالكوفة سنة ثمان وأربعين ومئة، وعمره بضع وثمانون سنة. وقد تتلمذ عليه جيل من كبار المحدثين، ومنهم وكيع الذي قدمنا قصته.

— تنبيه على الدرجة — ولادته ووفاته ولقبه بالمصحف معروفة. وخبر رده على هشام مشهور في التراجم وفي إسناده كلام فيُنقل ولا يُجزم بتفاصيله. وحديث «لا تسبوا أصحابي» متفق عليه. والآية في سورة البقرة معنى استشهادنا بها عام. ووصفه بالتدليس مذكور في كتب المصطلح (طبقات المدلسين لابن حجر).

العبرة

لا يجوز للعالم أن يكتب علمه لإرضاء السلطان، ولا أن يخوض في مثالب الصحابة، والمسلم مسؤول عن عمله لا عن عمل غيره.

المصدر: سير أعلام النبلاء للذهبي (ترجمة الأعمش)؛ تاريخ بغداد للخطيب؛ طبقات المدلسين لابن حجر؛ صحيح البخاري ومسلم (حديث لا تسبوا أصحابي)؛ سورة البقرة؛ تفسير ابن كثير

الدرجة: ترجمته ووفاته ولقبه معروفة؛ خبر رده على هشام مشهور وفي إسناده كلام فيُنقل ولا يُجزم بتفاصيله؛ حديث لا تسبوا أصحابي متفق عليه؛ ووصفه بالتدليس مذكور في كتب المصطلح