— حافظ مروزي في مصر — هو أبو عبد الله نعيم بن حماد بن معاوية الخزاعي المروزي، من أهل مرو في خراسان، طلب الحديث في الأمصار، ونزل مصر وحدّث بها، وكان من الحفاظ. وقد ذكر ابن حجر وغيره أنه من أوائل من صنفوا «المسند»، أي رتبوا الأحاديث على أسماء الصحابة. وله كتاب «الفتن» المشهور، وهو من أقدم ما دُوّن في أخبار الفتن وأشراط الساعة، لكن فيه أحاديث وآثارًا ضعيفة، وقد نبّه العلماء على ذلك. وأخرج له البخاري مقرونًا بغيره، وأخرج له مسلم في المقدمة، وتكلم فيه بعض الأئمة من جهة الحفظ، حتى قال ابن حجر في «التقريب» ما معناه إنه صدوق يخطئ كثيرًا. ووثّقه آخرون، فهو مختلف فيه في الرواية.
وهذا ينبغي ألا يحجبنا عن مقامه في الثبات. فالرجل قد يكون في الحفظ دون الأئمة الكبار، وهو في الصدق والصبر في الذروة. وإنما نذكر ذلك لنفصل بين الأمرين: ضبط الرواية، وثبات الدين.
— محنة خلق القرآن — في زمن الخليفة المأمون ثم المعتصم والواثق، فُرضت على العلماء مقالة أن القرآن مخلوق، وامتُحنوا فيها بالسجن والضرب. وقد أنكر أئمة السنة هذه المقالة لأن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، وقد قال تعالى في سورة التوبة: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، فأضاف الكلام إلى الله إضافة صفة إلى موصوفها. وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، وقد استدل به بعض السلف على التفريق بين الخلق والأمر، فالقرآن من أمره تعالى. وهذا مبحث تفصيلي له أهله، وإنما نذكر منه ما يتصل بالقصة.
وقد ثبت على الحق في هذه المحنة أئمة، منهم أحمد بن حنبل وأحمد بن نصر الخزاعي ونعيم بن حماد ويوسف بن يحيى البويطي، ولكل منهم قصة تُروى في موضعها. ونعيم بن حماد ممن حُمل من مصر إلى العراق في زمن المعتصم، فامتُحن فلم يجب، فسُجن في سامراء، فبقي في السجن حتى مات سنة ثمان وعشرين ومئتين على المشهور، وفي سنة تسع وعشرين عند بعضهم. هذا ما ذكره الذهبي والخطيب في ترجمته.
— الوصية — ومن أشهر ما يُروى عنه أنه أوصى عند موته بما معناه: كفنوني في ثوبيّ إحرامي فإني أخاصم بهما. والمراد أنه كان قد حج واحتفظ بثوبي إحرامه، فأوصى أن يُكفّن بهما ليكون شاهدًا له عند الله تعالى بأنه مات على الإيمان والثبات. وهذه الوصية مشهورة في كتب التراجم، ومنها «سير أعلام النبلاء» و«تاريخ بغداد»، وأصلها أن الشهيد يُدفن في ثيابه ولا يُغسَّل، وأن المحرم يُكفَّن في ثوبي إحرامه. وفي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الرجل الذي وقصته ناقته وهو محرم أن النبي ﷺ قال: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا». ويقاس عليه استحباب التكفين في ثوبي الإحرام لمن مات، وإن كان الحديث في المحرم الذي مات وهو في إحرامه. ونعيم لم يكن محرمًا لحظة وفاته، ولكنه أراد بركة الثوبين وشهادتهما له.
— خاتمة حياته — ويُذكر في ترجمته أنه مات في السجن مقيدًا، وأنهم لم يصلّوا عليه، بل جُرّ بأرجله وأُلقي في حفرة، لأن السلطة أرادت أن تذلّ من أبى القول بالمقالة. وهذا الخبر مذكور في السير والتاريخ، ولا يخلو من اختلاف في الألفاظ، فلا نجزم بتفاصيل كيفية دفنه. والمقطوع به أنه مات في المحنة صابرًا، فنرجو أن يكون ممن قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في سورة فصلت. ولا نشهد لأحد بالجنة إلا من شهد له النص، ونرجو لأمثاله.
— ثبات المبتلين في الأحاديث — وفي الحديث الذي رواه البخاري من حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ». فالابتلاء في الدين سنة ماضية، والثبات عليه هو الغاية. وقد تعرض أئمة الحديث في زمن المحنة لأشد من السجن؛ فهذا أحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله قُتل في زمن الواثق سنة إحدى وثلاثين ومئتين لثباته على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما ذكر الذهبي والخطيب في ترجمته. فكان نعيم وأحمد بن نصر وأحمد بن حنبل وغيرهم على طريق واحد في الثبات، وإن اختلفت أقدارهم: هذا في السجن حتى مات، وهذا قتيلًا، وهذا مضروبًا ثم معافى.
— عاقبة المحنة — وانتهت المحنة بعد سنوات، فلما تولى المتوكل الخلافة سنة اثنتين وثلاثين ومئتين أبطلها ونصر السنة، فصار ثبات هؤلاء الأئمة مثلًا. وقد ذكر الخطيب في «تاريخ بغداد» ما نُقل عن علي بن المديني من أن الله أعز الدين برجلين: أبي بكر الصديق يوم الردة وأحمد بن حنبل يوم المحنة، وهو كلام مشهور في ترجمة أحمد، ولا يعني الاقتصار عليه، فقد ثبت معه غيره ممن لا يعرفهم الناس.
— تنبيه على الدرجة — وفاة نعيم في السجن بسامراء مشهورة في التراجم، والخلاف في سنة 228 أو 229. ووصيته في ثوبي الإحرام مشهورة في السير وتاريخ بغداد بصيغة النقل. وخبر جره بأرجله وطرحه في حفرة مذكور في التراجم بلا إسناد محرر عندنا. وحديث الذي وقصته ناقته متفق عليه. وحال نعيم في الرواية: مختلف فيه، قال ابن حجر صدوق يخطئ كثيرًا، وكتابه في الفتن فيه ما لا يصح. وقول علي بن المديني مشهور في ترجمة أحمد.
