— تلميذ الشافعي الأول — هو أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، وُلد بمصر سنة خمس وسبعين ومئة، ولازم الإمام الشافعي حين قدم مصر، وصار من أشهر أصحابه، وصنف «المختصر» وهو اختصار لعلم الشافعي، وقد عُدَّ من أوائل ما دُوّن في المذهب الشافعي. وتوفي بمصر سنة أربع وستين ومئتين، ودُفن بالقرافة قرب قبر الشافعي. وذكر الذهبي أن الشافعي قال فيه ما معناه: المزني ناصر مذهبي. وجاء عنه أنه قال في معنى كلامه: لو ناظر المزني الشيطان لغلبه. وهما عبارتان مشهورتان في ترجمته من كتب المناقب.
— الجماعة تفضل بخمس وعشرين مرة — ومما يُذكر في ورعه، فيما نقله الذهبي وغيره، أنه كان إذا فاتته الصلاة في جماعة صلاها منفردًا خمسًا وعشرين مرة. ومأخذ ذلك الحديث المتفق عليه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «صَلاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»، وفي رواية أبي هريرة: «بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». فأراد أن يعوض ما فاته. وهذا الخبر مشهور عنه، ولكنه ليس بمشروع في الشرع، فلا يُشرع تكرار الصلاة المفروضة، وإنما هو اجتهاد منه وورع شخصي لا يُقتدى به فيه، ولا نقف على إسناد محرر له.
— ابن أخته الطحاوي — وكان للمزني ابن أخت يسمى أحمد بن محمد الطحاوي، وُلد في طحا بصعيد مصر سنة تسع وثلاثين ومئتين، وتوفي سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة، وهو من كبار علماء الحنفية في مصر، وصاحب «العقيدة الطحاوية» و«شرح معاني الآثار» و«مشكل الآثار». والمشهور في كتب التراجم، ومنها «وفيات الأعيان» لابن خلكان، أن الطحاوي بدأ حياته العلمية شافعيًّا على يد خاله المزني، ثم تحول إلى مذهب أبي حنيفة. وذكر المؤرخون في سبب ذلك قصتين مشهورتين.
الأولى أنه كان يحضر مجلس خاله، فقال له يومًا ما معناه: والله لا جاء منك شيء. فغضب الطحاوي وتحول إلى حلقة أبي جعفر أحمد بن أبي عمران الحنفي، فلزمه وتفقه عنده على مذهب أبي حنيفة. فلما صار الطحاوي إمامًا قال: رحم الله أبا إبراهيم، لو كان حيًّا لكفّر عن يمينه. أي أن خاله لو رآه بعد ما صار عالمًا لكفّر عن يمينه الذي حلف فيه ألا يجيء منه شيء، لأنه جاء منه شيء كثير.
والثانية أن سبب تحوله أنه كان يرى خاله يطالع كتب أبي حنيفة وأصحابه، فلما سئل عن ذلك قال المزني: لا يبلغ أحد في الفقه مبلغه إلا من نظر في كتب الكوفيين. وهذه رواية أضعف. والقصتان مذكورتان في السير وفيات الأعيان بصيغة النقل، ولا نقف لهما على إسناد محرر، فنوردهما نقلًا. والمهم أن العلماء كانوا ينتقلون بين المدارس طلبًا للعلم، ولا يعدّون ذلك عيبًا ما دام بقصد الحق.
— هل الغضب سبب حسن للهداية؟ — ولا ينبغي لنا أن نتخذ من القصة قاعدة تربوية، فليس من السنة التحقير والتيئيس في التعليم. فقد كان النبي ﷺ أرحم الناس بالمتعلمين، ويقول الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ: «إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ». فالمعلم الرفيق أولى. والقصة إن صحت، فهي من الاتفاق لا من المنهج، وأن الله قد يجعل من الكلمة الجافية دافعًا لهمة صاحبها.
— مقدمة المختصر — وأشهر ما يُحفظ من كتاب المزني مقدمته، فقد ذكر فيها أنه اختصر الكتاب من علم الشافعي ومن معنى قوله لينتفع به من أراده، مع إعلامه بنهي الشافعي عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه الإنسان لدينه ويحتاط لنفسه. هذا معنى ما في المقدمة المشهورة. وهو أدب حسن في الصلة بين التلميذ وشيخه: أن يعرّف الناس بقول شيخه ويذكّرهم بأن الحجة في الدليل لا في الرجال. وقد قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾.
— عقيدة الطحاوي — ومن أشهر ما بقي للطحاوي رسالته في العقيدة المسماة «العقيدة الطحاوية»، وقد افتتحها بقوله، بمعناه، إنها بيان لعقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني رضي الله عنهم أجمعين. وهي رسالة موجزة شرحها العلماء بعده شروحًا كثيرة. فبقي أثر الرجل في الفقه الحنفي وفي العقيدة معًا.
— الاختلاف بين المدارس — والطحاوي نفسه ألف كتابه «اختلاف العلماء» وكتاب «مختصر الطحاوي» في الفقه الحنفي، وكان يحتج للمذهب الحنفي بالأحاديث والآثار في «شرح معاني الآثار». وهذا يبين أن الحنفية في مصر لم يكونوا أهل رأي مجرد، بل كان فيهم محدثون كبار. وقد ذكر ابن خلكان أن الطحاوي كان يقول إنه صنف كتاب شرح معاني الآثار لينتصر لمذهبه بالنقل. ومع ذلك فقد ظل الاحترام قائمًا بين الشافعية والحنفية في مصر، ولم تمنع القرابة والخصومة العلمية من تواصل الأجيال.
— وفاة المزني — وتوفي المزني في شهر رمضان سنة أربع وستين ومئتين كما ذكر الذهبي، وكان له من العمر نحو تسع وثمانين سنة. وقد ترك «المختصر» و«الجامع الكبير» و«الجامع الصغير»، وكتاب «الترغيب في العلم»، ورسالة في العقيدة هي «شرح السنة» المنسوبة إليه. وبقيت كتبه تُشرح إلى القرون المتأخرة، ومنها شروح كثيرة على «مختصر المزني».
— تنبيه على الدرجة — وفاة المزني ومولده والطحاوي ومؤلفاتهما مشهورة في كتب التراجم. وعبارتا الشافعي في المزني مشهورتان في المناقب. وخبر الصلاة خمسًا وعشرين مرة مذكور في السير بلا إسناد محرر ولا يُشرع الاقتداء به. وقصة «والله لا جاء منك شيء» وقول الطحاوي مشهوران في وفيات الأعيان بصيغة النقل بلا إسناد محرر. وحديث الجماعة متفق عليه، وحديث الرفق رواه مسلم.
