Islamic MixIslamic Mix
‹ علماء القرون الأولى
علماء القرون الأولىمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

حماد بن سلمة: لو قيل له إنك تموت غدًا ما زاد في عمله

حماد بن سلمة رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

— عالم البصرة وتاجرها — هو أبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار البصري، توفي سنة سبع وستين ومئة، وكان من كبار أئمة الحديث في البصرة، ومن أعلم الناس بحديث ثابت البناني وحميد الطويل، وكان فقيهًا عابدًا. ويذكر الذهبي أنه كان يتجر في البز، أي في الثياب، وأنه كان يأكل من كسب يده. روى عن ثابت وحميد وقتادة وعلي بن زيد وغيرهم، وروى عنه عبد الرحمن بن مهدي وعفان وحجاج بن منهال وخلق. وأخرج له مسلم في صحيحه، واحتج به أصحاب السنن.

— شهادة الأئمة بدقته — قال الإمام أحمد بن حنبل ما معناه إن حماد بن سلمة أثبت الناس في حديث ثابت، وإنه إذا خولف حماد في ثابت فالقول قوله. وهذا ما قرره أئمة العلل، فقد خصّ بعض الرواة بالتقديم في بعض شيوخهم دون غيرهم. وقال ابن حجر في «التقريب» ما معناه إنه ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخرة. وهذا من دقة النقاد: أنهم لا يطلقون الحكم، بل يخصصون.

وذكر الذهبي أنه كان شديدًا على المبتدعة، وهذا مما شهر عنه في عصره. فكان يحذر من أهل البدع ويبين خطأهم، وهو منهج السلف في حفظ الدين. وقد قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، وروى البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال بعد تلاوتها: «فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ». والمقصود هنا الحذر من أهل الأهواء، لا العدوان عليهم.

— وقته كله لله — ومن أشهر ما قيل فيه كلام موسى بن إسماعيل التبوذكي، وهو من تلاميذه، إذ قال، فيما ذكره الذهبي بمعناه: لو قلت لكم إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكًا قط لصدقت، كان مشغولًا إما أن يحدّث، وإما أن يقرأ، وإما أن يسبّح، وإما أن يصلّي، وقد قسّم النهار على هذه الأعمال. ويُنسب إلى عبد الرحمن بن مهدي قوله: لو قيل لحماد بن سلمة إنك تموت غدًا ما قدر أن يزيد في العمل. وهاتان العبارتان مشهورتان في ترجمته، وهما من أبلغ ما قيل في وصف عمارة الوقت بالطاعة، وإن كنا لا نجزم بحروف لفظهما.

ولا يعني هذا أنه كان لا يضحك أبدًا، فقد كان النبي ﷺ يضحك حتى تبدو نواجذه كما ثبت في الصحيحين، وإنما المعنى أن الرجل كان مشغولًا بالعمل الصالح، قليل اللهو. وقد جاء في الحديث الذي رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا». فكان الأئمة يقلّلون من الضحك أدبًا وخشية.

— آخر حياته — ويُذكر أنه توفي وهو في الصلاة، ولا نقف على إسناد محرر لذلك. وقد جاء عن بعض السلف أنهم تمنوا أن يموتوا ساجدين أو مصلين، لما في الحديث الصحيح: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه. فمن عاش على الطاعة بُعث عليها بإذن الله.

— دقة النقاد في التخصيص — ومن فوائد ترجمته أن الأئمة نبهوا على أن حماد بن سلمة ليس في جميع شيوخه بدرجة واحدة؛ فهو في ثابت البناني من أثبت الناس كما سبق، وهو في غير ثابت ربما كان دون ذلك، وقد احتج مسلم به في الأصول في روايته عن ثابت، وأخرج من روايته عن غير ثابت في المتابعات. وهذا النظر المفصل هو الذي يُسمى عند أهل الحديث معرفة مراتب الرواة في شيوخهم. وهو من تمام العدل في الحكم على الناس، وقد قال تعالى في سورة المائدة: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.

— الدوام على العمل — وما نُقل عنه من قسمة الوقت بين التحديث والقراءة والتسبيح والصلاة يوافق قول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ». فالمهم دوام العمل لا كثرته المنقطعة. وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ». فالوقت نعمة ينبغي استثمارها في الطاعة.

— علمه وعبادته — وجمع حماد بين الحديث والعبادة والتجارة، ولم تمنعه تجارته من عبادته، ولا عبادته من علمه. وقد مدح الله في كتابه رجالًا لا تلهيهم التجارة عن ذكر الله، قال تعالى في سورة النور: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. وذكر ابن كثير في تفسير الآية أن هؤلاء يشتغلون بالبيع والشراء ولا يشغلهم ذلك عن إقام الصلاة في وقتها. ولا نقول إن الآية نزلت في حماد، وإنما نذكرها لبيان نموذج المسلم المتاجر الذي يجمع بين دنياه وآخرته.

— تنبيه على الدرجة — وفاته وشيوخه وتلاميذه ومهنته مشهورة في التراجم. قول أحمد في ثبوته في ثابت ثابت المعنى، وقول ابن حجر في التقريب بمعناه. وقولا موسى بن إسماعيل وابن مهدي مشهوران في السير بلا جزم بحروفهما. وخبر وفاته في الصلاة بلا إسناد محرر. وحديث جابر «يبعث كل عبد على ما مات عليه» رواه مسلم، وحديث أنس رواه البخاري، وحديث عائشة في الآية متفق عليه.

العبرة

يمكن للمسلم أن يجمع بين التجارة والعلم والعبادة، وعمارة الوقت بالطاعة من أسباب حسن الخاتمة. والتوثيق عند النقاد يُخصَّص ولا يُطلق.

المصدر: سير أعلام النبلاء للذهبي (ترجمة حماد بن سلمة)؛ تقريب التهذيب لابن حجر؛ صحيح البخاري ومسلم (حديث عائشة في آية المتشابه؛ حديث لو تعلمون ما أعلم)؛ صحيح مسلم (كتاب الجنة، باب الأمر بحسن الظن بالله عند الموت، حديث جابر)؛ سورتا آل عمران والنور؛ تفسير ابن كثير

الدرجة: ترجمته ومهنته وقول أحمد فيه ثابتة؛ كلام موسى بن إسماعيل وابن مهدي مشهور بلا جزم بحروفه؛ خبر موته في الصلاة بلا إسناد محرر؛ الأحاديث المذكورة صحيحة (البخاري ومسلم)