— عالم البصرة اللغوي — هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي، وُلد في البصرة، وقيل إن أصله من عمان، وتوفي نحو سنة سبعين ومئة، وقيل سنة خمس وسبعين، وعُرف بتأسيس علم العروض، وهو علم أوزان الشعر، وبتأليف معجم «العين» على ما اشتهر عنه، مع أن نسبة الكتاب كله إليه محل خلاف بين العلماء. وهو شيخ سيبويه، صاحب «الكتاب» في النحو، وعنه أخذ النضر بن شميل وغيره. وكان زاهدًا فقيرًا، قانعًا بما عنده.
— خدمته لكتاب الله — ومن أبرز ما يُنسب إليه في خدمة القرآن الكريم وضع علامات الشكل بصورتها المعروفة: الفتحة والضمة والكسرة والسكون والشدة، وذلك بدلًا من النقط الملونة التي كان أبو الأسود الدؤلي قد وضعها في المصحف، وقد مرت قصة الدؤلي في موضعها. وهذا مشهور عنه في كتب تاريخ علوم القرآن والخط، فحلت علامات الحروف الصغيرة محل النقط، وسهلت القراءة. وهي من الأعمال التي تعين على تصحيح القراءة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ في سورة المزمل. ولكننا نقول إن نسبة هذا إليه مشهورة ومرجحة عند الأكثرين، ولا نقطع بكل تفاصيلها.
— دعوة الأمير — وفي كتب التراجم، ومنها «وفيات الأعيان» لابن خلكان و«إنباه الرواة» للقفطي، خبر مشهور أن سليمان بن علي الهاشمي، وهو أمير في أيام العباسيين، دعا الخليل ليكون مؤدبًا لولده ويعيش في كنفه، فلم يقبل الخليل، وكتب إليه أبياتًا يعتذر فيها، معناها أن يبلغ سليمان أنه في سعة عن خدمته وفي غنى عنه مع أنه لا يملك مالًا، وأن نفسه سخت به، فهو يرى أن الفقر والغنى في النفس لا في المال، وأن لا أحد يموت هزلًا ولا يبقى على حال. وهي أبيات مشهورة في كتب الأدب، ولا نقف على إسناد محرر لها، فنوردها بمعناها دون نصها.
— ما ورد في القناعة — والمعنى الذي دار عليه جواب الخليل ثابت في السنة؛ فقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ». وروى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ». وقد قال الله تعالى في سورة هود: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، فالمؤمن يعلم أن رزقه مكفول، فلا يذل نفسه لأحد. وإن كان العلماء يختلفون في موضوع قبول عطايا السلاطين، فكثير منهم رأوا تركها أسلم لدينهم، وقبلها آخرون مع الورع.
— العروض ومعجم العين — أما العروض فقد اشتهر أن الخليل استنبط أوزان الشعر العربي فجعلها خمسة عشر بحرًا، ثم زاد عليها تلميذه الأخفش بحرًا هو المتدارك، فصارت ستة عشر. وأما كتاب «العين» فقد رتبه على مخارج الحروف مبتدئًا بالعين لأنها من أقصى الحلق، فسمّي بها، وهو أول معجم بُني على هذا الترتيب. وقد وقع الخلاف في نسبة الكتاب كله إليه كما سبق، فقيل إنه أملى أصله وأتمّه غيره.
— لغة القرآن — وقد بيّن ابن كثير عند تفسير قوله تعالى في سورة يوسف ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها، وأنها أنسب اللغات لأن تُنزَّل بها أشرف الكتب على أشرف الرسل. ومن هنا كان تقعيد العربية وحفظها خدمة جليلة، والخليل من الرجال الذين قاموا بهذا العمل في البصرة.
— أثره في سيبويه — وتلميذه سيبويه ألّف «الكتاب» في النحو، وهو أصل علم النحو، وكثيرًا ما يروي فيه عن شيخه بقوله: «وسألت الخليل» و«قال الخليل»، فبقيت مسائله وآراؤه حية في هذا الكتاب. وهذا مثال لما قلناه من أن التلاميذ يخلدون شيوخهم بالتدوين والشرح.
— تقدير العالم وتواضعه — ويذكر أهل التراجم أن الخليل كان متواضعًا، يقول ما معناه: ما أنا إلا مقتدٍ بمن قبلي، وأن العلم لا يخص أحدًا. ومنها ما يُنقل عن سيبويه أنه كان يفخر بتلمذته عليه. وهذه الأخبار الأخلاقية لا تُحرَّر أسانيدها، فنكتفي بالإشارة.
— وفاته — ويروي ابن خلكان وغيره قصة طريفة في وفاته، مفادها أنه كان يفكر في اختراع طريقة في الحساب تسهل على الناس التعامل، فمشى وهو شارد الذهن فاصطدم بسارية المسجد فمات. وهي رواية تُذكر بصيغة التمريض، وفي صحتها نظر، ولا نقطع بها. والأرجح أنه مات بالبصرة نحو سنة سبعين ومئة، وقد جاوز السبعين.
— ما يتعلمه المسلم — خدمة الخليل للغة العربية خدمة لكتاب الله، فإن القرآن عربي، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ في سورة يوسف. ومن أجل ذلك اهتم المسلمون بعلوم العربية، من نحو وعروض ومعاجم، لحفظ فهم النص. وقد أجمع العلماء على أن معرفة العربية من شروط الاجتهاد.
— تنبيه على الدرجة — ترجمته ومكانته في علوم العربية مشهورة. ونسبة كتاب العين كله إليه فيها خلاف. وخبر وضع الشكل بدل نقط أبي الأسود مشهور في كتب علوم القرآن ويقبل من حيث الشهرة. وخبر سليمان بن علي والأبيات مشهور في الأدب بلا إسناد محرر. وخبر موته بالسارية بصيغة التمريض ولا يُجزم به. والأحاديث المذكورة صحيحة (البخاري ومسلم).
