— من هو ابن راهويه — هو أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي، وُلد سنة إحدى وستين ومئة، ونزل نيسابور وأقام بها حتى مات. وأما لقب «راهويه» فقد ذكر أهل التراجم أنه لقب أبيه، وأن أباه وُلد في الطريق في سفر إلى مكة، فقال أهل مرو: «راهويه» أي ولد في الطريق. وهو من الأئمة الذين جمعوا بين الحديث والفقه، وطاف في الأمصار يطلب العلم في العراق والحجاز والشام واليمن، وأخذ عن جماعة من كبار الشيوخ منهم وكيع وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق الصنعاني.
— ثناء الأئمة عليه — نقل الذهبي في «سير أعلام النبلاء» عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه أثنى على إسحاق ثناءً بالغًا، وأنه قال في معنى كلامه إنه لا يعلم لإسحاق نظيرًا في الدنيا، وإنه من أئمة المسلمين عنده. ونُقل عن أحمد أيضًا أنه قال: لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا. وفي هذا الكلام أدب جميل في الخلاف: فأحمد يقرّ بفضل الرجل مع مخالفته له في بعض المسائل، ولا يجعل الخلاف الفقهي سببًا لإنكار الفضل. وهذا من هدي السلف الذي ينبغي أن يُتعلّم، فالله تعالى يقول: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ في سورة النساء، فجعل الرد إلى الكتاب والسنة هو الميزان عند التنازع، لا الهوى ولا العصبية.
— حفظه وكثرة روايته — ذكر الذهبي وغيره عن إسحاق أنه كان يقول إنه يحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلب، وإنه يذاكر بمئة ألف حديث. ومن أهل العلم من يفهم هذه الأعداد على طريقة المحدثين التي تعدّ الأسانيد والطرق حديثًا مستقلًّا، فلا تعني أن متونًا مختلفة بهذا القدر. وهذه العبارة منقولة عنه في كتب التراجم ولا نقف لها على إسناد محرر عندنا، فنوردها بصيغة النقل ولا نبني عليها شيئًا. والثابت أن الأئمة كانوا يعدّونه من كبار الحفاظ، وأن تلاميذه من أصحاب الكتب الستة وغيرهم رووا عنه، فروى عنه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وروى عنه كذلك أحمد بن حنبل.
— مناظرة في مكة — ومن الأخبار التي ذكرها أصحاب مناقب الشافعي أن إسحاق اجتمع بالشافعي في مكة، وكان أحمد حاضرًا، فتناظرا في مسألة بيع بيوت مكة وإجارتها. فكان إسحاق يرى المنع محتجًّا بآثار في ذلك، وكان الشافعي يرى الجواز، ويستدل بما في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه أنه قال للنبي ﷺ: أين تنزل غدًا في دارك بمكة؟ فقال: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ». فنسب النبي ﷺ الدور إلى عقيل بن أبي طالب الذي باعها، فدل ذلك عند الشافعي على جواز ملك دور مكة. وهذه المناظرة مذكورة في كتب المناقب بصيغة النقل، ولا نجزم بتفاصيل ما دار فيها. وفيها مثال لمجالس العلم في ذلك العصر: إمامان كبيران يتناظران بحضور ثالث، ولا يخرج أحدهم عن الأدب.
— من مجلسه ولدت فكرة الجامع الصحيح — ومن أشهر ما يُذكر في ترجمته أنه كان سببًا في اتجاه البخاري إلى تأليف صحيحه. فقد روى ابن حجر في مقدمة «فتح الباري» (هدي الساري) عن إبراهيم بن معقل النسفي أن البخاري قال: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال بعض أصحابنا: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لسنن النبي ﷺ، فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب. وهذا الخبر مشهور عند شراح البخاري، وإن كان يُروى بهذا السند الذي نقله ابن حجر، ولم يُنسب القول لإسحاق نفسه بل لبعض الحاضرين في مجلسه. فالفضل في ذلك لمجلس إسحاق الذي جمع الطلبة، لا لقول بعينه صدر عنه.
وفي هذا معنى كبير: فالعلم يُبنى بكلمة طيبة في مجلس صالح. وقد قال النبي ﷺ فيما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا». ونحن لا نقطع بأجر معين لأحد، ولكنا نعلم أن الدال على الخير كفاعله في الجملة.
— إيثاره للدليل — عُرف ابن راهويه بأنه يقول بالحديث ويعتمد الأثر، وله اجتهادات فقهية خالف فيها غيره، وكان يقول الخلاف بين العلماء وينقل أقوالهم. وهذه طريقة أهل الاجتهاد الذين لم يتعصبوا لمذهب واحد. ويقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ في سورة النحل، قال ابن كثير في تفسيرها إن المراد سؤال أهل العلم بالكتاب والسنة. فالرجوع إلى أمثال إسحاق في الحديث والفقه هو من هذا الباب.
— وفاته — توفي إسحاق بن راهويه رحمه الله في شعبان سنة ثمان وثلاثين ومئتين بنيسابور، وعمره نحو سبع وسبعين سنة. وبقي من مصنفاته «المسند»، وقد طُبع الموجود منه، وهو من أقدم ما دُوّن في هذا الباب مرتبًا على الصحابة. وبقي ذكره في كتب التراجم إمامًا في الحديث، ومنارة لطلاب العلم في خراسان.
— فضل الرحلة والسماع — وكان إسحاق من أولئك الذين لم يقنعوا ببلدهم، فطلبوا العلم في أمصار شتى، وهذه سنة عند أهل الحديث، وأصلها ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ». قال النووي في شرحه إن المراد طريق المشي والحسي، ويدخل فيه الطريق المعنوي كالحفظ والمذاكرة. ثم عاد إسحاق إلى نيسابور فجعلها مقصد الطلاب، يحدّث ويفتي ويُملي، حتى صار أهل خراسان يقصدونه من المدن.
— تنبيه على الدرجة — مولده ووفاته وشيوخه وتلاميذه وثناء أحمد عليه مشهور في كتب التراجم. وعدد ما يحفظه مروي عنه بلا إسناد محرر عندنا. ومناظرة مكة في كتب مناقب الشافعي بلا جزم بتفاصيلها. وخبر وقوع فكرة الجامع الصحيح في مجلسه أورده ابن حجر في هدي الساري بإسناد إلى البخاري. وحديث أسامة متفق عليه، وحديث «من دعا إلى هدى» رواه مسلم.
