Islamic MixIslamic Mix
‹ علماء القرون الأولى
علماء القرون الأولىمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

أبو عبيد القاسم بن سلام: أربعون سنة في غريب الحديث وكتاب الأموال

الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

— النشأة وطلب العلم — هو أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي، من أهل هراة بخراسان، وُلد سنة سبع وخمسين ومئة، وذكر أهل التراجم أن أباه كان مملوكًا رومي الأصل لرجل من أهل هراة، فنشأ أبو عبيد في الولاء وطلب العلم منذ صغره. وذكر الذهبي أنه رحل إلى العراق ومصر والحجاز، وأخذ اللغة والأدب عن جماعة من أئمة البصرة والكوفة منهم أبو عبيدة معمر بن المثنى والأصمعي وأبو زيد الأنصاري، وأخذ الحديث عن هشيم بن بشير ويزيد بن هارون وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم. فكان جامعًا بين اللغة والحديث والفقه والقراءات، وهو من الأئمة الذين خدموا السنة من جهة معاني ألفاظها.

— القضاء في طرسوس — ولي أبو عبيد القضاء في ثغر طرسوس مدة طويلة من عمره، على ما ذكر الخطيب وغيره، في زمن واليها ثابت بن نصر. وكانت طرسوس من ثغور المسلمين على حدود الروم، فكان القضاء فيها مقرونًا بالرباط والجهاد. ثم عاد إلى بغداد وأقام بها، وكان عبد الله بن طاهر أمير خراسان ينزله ويكرمه. وقد ذكر ابن خلكان والذهبي أن ابن طاهر كان يُجري عليه رزقًا لينقطع للتصنيف، ولا نقف على ضبط مقدار ذلك الرزق بإسناد محرر، فنكتفي بالإشارة إليه. وفي هذا مثال على أن بعض الولاة كانوا يعينون العلماء على التفرغ للعلم وتدوينه، وهو من أعظم القربات إن خلصت النية.

— غريب الحديث في أربعين سنة — اشتهر عن أبي عبيد أنه ألف كتاب «غريب الحديث» وهو أول كتاب مرتب في بيان ما غمض من ألفاظ الحديث والآثار، وقد ذكر الخطيب البغدادي أنه جمعه في أربعين سنة. وفكرة هذا العلم: أن في كلام النبي ﷺ وأصحابه والتابعين ألفاظًا قد لا يفهمها من بعُد عهده بفصحاء العرب، فيحتاج إلى بيان اللغة ليُفهم الحديث على وجهه. ويُذكر أنه كان يقيّد الفائدة كلما سمعها من الشيوخ والأعراب وأهل اللغة، ويضعها في موضعها من الكتاب، ولذلك طال زمن تأليفه. وبقي كتابه عمدة لمن جاء بعده، فألف ابن قتيبة والخطابي وابن الأثير في هذا الباب، وكلهم عيال على أبي عبيد.

ولا يخفى مكان هذا العلم من فهم الكتاب والسنة، فإن الله تعالى أنزل القرآن بلسان عربي مبين، قال تعالى في سورة يوسف: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ومن لم يعرف معاني الألفاظ كما كان يفهمها العرب الأوائل لم يؤمن عليه الغلط في الفهم.

— كتاب الأموال — ومن أنفع كتبه «كتاب الأموال»، وهو في أحكام الفيء والخراج والجزية والصدقات والأموال التي تدخل بيت مال المسلمين، وكيف تُقسم، جمع فيه الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين وبيّن اختلاف العلماء. وأصله في القرآن: قوله تعالى في سورة الحشر عن الفيء: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾، قال ابن كثير في تفسيرها إن الله جعل مصرف الفيء كذلك لئلا يتداوله الأغنياء وحدهم. فالكتاب إذن يتصل بمعنى العدالة في توزيع المال العام. وهو من مصادر الفقه الاقتصادي في الإسلام، ولا يزال يُرجع إليه إلى اليوم.

— ثناء الأئمة — نقل الخطيب والذهبي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال في أبي عبيد ما معناه: ممن يزداد عندنا كل يوم خيرًا. وفي هذه العبارة إشارة إلى استقامة حاله وتحسن علمه مع الزمن. ووثقه الأئمة في الحديث، وصنفه الذهبي من الأئمة الثقات في الرواية، مع تفوقه في الأدب واللغة والفقه، وله كتب أخرى منها «فضائل القرآن» و«الناسخ والمنسوخ» و«الطهور» و«الأمثال». وكان له اختيار فقهي في بعض المسائل، يُنقل في كتب الخلاف.

— آخر حياته — حج أبو عبيد في آخر عمره وأقام بمكة المكرمة حتى توفي بها سنة أربع وعشرين ومئتين، وهو في السابعة والستين من عمره. ولا يُجزم بأمر زائد على هذا مما يُروى من أخبار وفاته. ومثل هذه الخاتمة بجوار البيت الحرام مما يتمناه الصالحون، ونرجو له رحمة الله.

— القرآن وقراءاته — ومن خدمته للقرآن الكريم كتابه «فضائل القرآن»، وكتابه في القراءات الذي ذكر كثير من أهل العلم أنه من أوائل ما صنّف في بابه. وقد جاء في صحيح البخاري من حديث عثمان رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». وكان أبو عبيد من هذا الصنف: يتعلم ويعلّم ويصنّف.

— الرباط في الثغر — وقد كانت إقامته في الثغر من الرباط، وقد روى مسلم من حديث سلمان رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ». ولا نقطع بتفاصيل حياته هناك، ولكن القاضي في الثغر كان يجمع بين الفصل بين الناس وخدمة المرابطين، فجمع الله له فضل العلم والقضاء والرباط، نرجو ذلك لمن صدقت نيته.

— تنبيه على الدرجة — مولده ووفاته وولايته القضاء بطرسوس وتأليفه الغريب والأموال مشهورة في كتب التراجم. وكون الغريب جمع في أربعين سنة ذكره الخطيب بصيغة النقل. وثناء أحمد عليه مروي في التراجم بمعناه. وأما مقدار ما كان يجريه ابن طاهر من رزق فلم يتحرر عندنا فلا نذكره.

العبرة

خدمة ألفاظ السنة خدمة للدين، والصبر عقودًا على كتاب واحد يثمر علمًا تبقى منفعته للأجيال.

المصدر: سير أعلام النبلاء للذهبي (ترجمة أبي عبيد القاسم بن سلام)؛ تاريخ بغداد للخطيب؛ وفيات الأعيان لابن خلكان؛ كتاب الأموال لأبي عبيد؛ سورتا يوسف والحشر؛ تفسير ابن كثير

الدرجة: سيرته ووفاته وكتبه وولايته القضاء مشهورة في التراجم؛ خبر الأربعين سنة بصيغة النقل عن الخطيب؛ ثناء أحمد بمعناه؛ مقدار الرزق من ابن طاهر لم يحرر فلم يُذكر