Islamic MixIslamic Mix
‹ علماء القرون الأولى
علماء القرون الأولىمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

محمد بن نصر المروزي: فقيه الصلاة الذي لم يتحرك لسعة الزنبور

الإمام محمد بن نصر المروزي رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

— إمام بين بغداد ونيسابور وسمرقند — هو أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي، وُلد ببغداد سنة اثنتين ومئتين لأسرة أصلها من مرو، ثم رحل في طلب العلم إلى نيسابور والري وبغداد والبصرة والكوفة والحجاز والشام ومصر، ثم استقر في آخر عمره بسمرقند وتوفي بها سنة أربع وتسعين ومئتين، وعمره نحو اثنتين وتسعين سنة. وقد ذكر الذهبي في «سير أعلام النبلاء» أنه كان إمامًا مجتهدًا من أعلم الناس باختلاف الصحابة والتابعين، وأن الحاكم النيسابوري وصفه بأنه إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة، وذلك في معنى كلامهما. وقد روى عنه خلق، وتتلمذ على كبار أئمة العصر. وأخذ عن إسحاق بن راهويه ويحيى بن يحيى النيسابوري ومحمد بن يحيى الذهلي وغيرهم على ما ذكر المترجمون.

— الاختلاف والاجتهاد — اشتهر المروزي بكتبه التي جمع فيها أقوال العلماء في المسائل، ومنها «اختلاف العلماء» و«رفع اليدين» و«الوتر» و«قيام الليل» و«السنة»، و«تعظيم قدر الصلاة». وجمعه لاختلاف الفقهاء من الصحابة فمن بعدهم يدل على سعة اطلاعه، وعلى أنه كان يقدّم الدليل ولا يتعصب. وهذا يتفق مع قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فهو يعرض أقوال الأئمة ثم ينظر في الدليل. ويُنسب إليه أنه كان يعتني بجمع الآثار عن الصحابة والتابعين في كل مسألة، وهذه سمة الفقهاء من أهل الحديث. ومختصر كتابه «قيام الليل» مطبوع متداول اختصره المقريزي.

— لسعة الزنبور — ومن أشهر ما يُروى في ترجمته ما ذكره الحاكم وأورده الذهبي أنه كان يصلي فوقع على جبهته زنبور فلسعه، فسال الدم على وجهه، ولم يتحرك ولم يلتفت، وهذا الخبر مشهور في كتب التراجم عن الحاكم، ولا نقف على إسناد محرر لتفاصيله، فنورده نقلًا لا حكمًا. والمعنى الذي يدل عليه هو الخشوع، وقد قال تعالى في أول سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. وقال ابن كثير في تفسيرها إن الخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرّغ قلبه لها واشتغل بها عمّا عداها. وفي الحديث الذي رواه أحمد والنسائي من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»، وقد حسنه جماعة من أهل العلم. وليس هذا حكمًا شرعيًّا بوجوب الصبر على الأذى في الصلاة بإطلاقه، وإنما هو حال لبعض الصالحين، ولا يلام من التفت لحاجة أو دفع ضررًا.

— تعظيم الصلاة — ولعل في اشتغاله بتأليف «تعظيم قدر الصلاة» ما يفسر حاله فيها. فالكتاب جمع فيه الأحاديث والآثار في عظم شأن الصلاة، وفي وعيد من ضيّعها، وفي أقوال السلف في تارك الصلاة. وهو كتاب مطبوع متداول، وفيه من الأحاديث الصحيح وغيره، فمن قرأه ينبغي أن يميز بين المقبول وغيره. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ». وللعلماء في حكم تارك الصلاة تكاسلًا تفصيل مشهور في كتب الفقه.

— قيام الليل — وكتابه «قيام الليل» يعرّف بمنزلة هذه العبادة عند السلف. وأصل ذلك في القرآن: قوله تعالى في سورة السجدة: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، وقوله في سورة الذاريات: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ». وقد كان المروزي يعرض في كتابه ما صح عن النبي ﷺ وما أُثر عن الصحابة والتابعين في هذا الباب.

— رفع اليدين — وفي كتابه في رفع اليدين في الصلاة جمع طرق الأحاديث فيه، وأصلها ما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة وإذا كبّر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع. وهو مثال على طريقته: أن يخدم السنة بجمع طرقها ثم ينقل خلاف الفقهاء فيها، دون ازدراء لأحد.

— طول العمر وحسن العمل — وقد عاش المروزي نحو اثنتين وتسعين سنة في العلم والعبادة، وفي الحديث الذي رواه الترمذي وأحمد أن رجلًا سأل النبي ﷺ: أي الناس خير؟ قال: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ»، وحسّنه الترمذي. فالعمر الطويل نعمة إذا اقترن بحسن العمل، وقد وصل المروزي بين التصنيف والعبادة إلى آخر حياته على ما ذكر المترجمون.

— الإيمان والسنة — وكان المروزي ممن صنفوا في الإيمان، يرى أن الإيمان قول وعمل، وهو مذهب أهل السنة، وقد ساق في كتبه أقوال السلف في ذلك. ويجتمع في ترجمته الاجتهاد والحديث والعبادة، وهذا من أجمل ما يُقال في العالم أن يكون صاحب علم وخشوع معًا.

— وفاته — توفي رحمه الله في المحرم سنة أربع وتسعين ومئتين بسمرقند. وعمره مديد في العلم والعبادة. فنسأل الله أن يرحمه.

— تنبيه على الدرجة — ترجمة المروزي ووفاته وكتبه مشهورة في التراجم. وخبر الزنبور من رواية الحاكم عند الذهبي بلا إسناد محرر عندنا. وحديث أنس في قرة العين حسّنه جماعة. وحديث جابر في ترك الصلاة صحيح رواه مسلم. وكتبه المذكورة معروفة ومطبوعة.

العبرة

الخشوع أصل الصلاة، والعالم الحق يجمع بين سعة الاطلاع على أقوال الأئمة والتعظيم لشعائر الله.

المصدر: سير أعلام النبلاء للذهبي (ترجمة محمد بن نصر المروزي)؛ تعظيم قدر الصلاة للمروزي؛ مختصر قيام الليل للمقريزي؛ صحيح مسلم (كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة)؛ مسند أحمد وسنن النسائي (حديث حبب إلي من دنياكم)؛ سورتا النساء والمؤمنون؛ تفسير ابن كثير

الدرجة: ترجمته ووفاته وكتبه مشهورة في التراجم؛ خبر الزنبور مروي عن الحاكم عند الذهبي بلا إسناد محرر؛ حديث أنس حسنه جماعة؛ حديث جابر صحيح (مسلم)