— إمام اليمن — هو أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري الصنعاني، من أهل صنعاء في اليمن، وُلد سنة ست وعشرين ومئة، وتوفي في شوال سنة إحدى عشرة ومئتين، وله خمس وثمانون سنة. وقد وصفه ابن حجر في «تقريب التهذيب» بأنه ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع. وهذه العبارة الجامعة تلخّص أمرين يجب أن ينتبه إليهما القارئ: مكانته الكبيرة في الحديث، وما أُخذ على حديثه بعد ذهاب بصره.
— شيوخه وكتابه — أخذ عن معمر بن راشد، وكان لازمه سنين وروى عنه كتابًا يسمى «الجامع» ألحق بمصنفه، وأخذ عن ابن جريج وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة ومالك بن أنس وغيرهم. وصنّف «المصنف» وهو من أقدم ما بقي من الكتب المرتبة على أبواب الفقه، جمع فيه أحاديث النبي ﷺ وآثار الصحابة والتابعين، وهو مرجع لمن يريد معرفة ما كان عليه السلف من فتاوى وأحكام. وبقيت له أيضًا أجزاء من التفسير، يروي فيها كثيرًا عن معمر عن قتادة. وقد رحل إليه الأئمة من الأقطار: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني وغيرهم.
— رحلة أحمد إليه — ومن أخبار الرحلة المشهورة ما ورد في ترجمة الإمام أحمد من أنه رحل إلى عبد الرزاق في اليمن، فلقيه ببلده وسمع منه وأقام عنده، ولما عرض عليه عبد الرزاق مالًا يستعين به أبى أن يقبله، وصبر على الفقر في الطلب. وقد ذكر الذهبي وغيره هذا الخبر في مناقب أحمد بصيغة النقل، ولا نقف على تفاصيل إسناده، فنذكر معناه دون ألفاظه. والمعنى أن الطلب كان يحتاج إلى سفر شاق ومؤونة، وأن الأئمة كانوا يتعففون وهم في أشد الحاجة. وقال تعالى في سورة البقرة: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾، قال ابن كثير في تفسيرها إن هؤلاء يظنهم الجاهل بحالهم أغنياء من تعففهم. ولا نقول إن الآية نزلت في الإمام أحمد، وإنما هي مثال لخلق التعفف.
— تهمة التشيع — اتُّهم عبد الرزاق بالتشيع، وهو مما نقله ابن حجر في الوصف كما سبق. وروى الذهبي عنه في دفع ذلك كلامًا في معناه أنه قال: والله ما انشرح صدري قط أن أفضّل عليًّا على أبي بكر وعمر، رحم الله أبا بكر ورحم الله عمر ورحم الله عثمان ورحم الله عليًّا، ومن لم يحبهم فما هو بمؤمن. وهذا الكلام مروي عنه في كتب التراجم، وفيه ترضٍّ عن الخلفاء الأربعة وتقديم للشيخين، وهو مذهب أهل السنة. وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نخيّر بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخيّر أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم. فالتفضيل على هذا الترتيب مستقر في الصدر الأول. والتشيع عند المتقدمين من الرواة كان يطلق أحيانًا على تقديم علي على عثمان أو محبته الشديدة، ولا يعني الرفض المعروف عند المتأخرين. وهو مبحث يعرفه أهل المصطلح.
— العمى والتغير — أُخذ على حديثه أنه عمي في آخر عمره، فمن سمع منه بعد العمى فسماعه أضعف، لأنه ربما لُقّن فحدّث بما لقّنوه. وقد ذكر العلماء أن من سمع منه بعد أن عمي فسماعه أضعف من سماع من سمع قبل ذلك. وهذا من دقة النقاد: أنهم يفرقون بين طبقات الرواة عن الشيخ الواحد باعتبار وقت السماع، فيقدّمون سماع من سمع قبل التغير. وفي هذا حفظ للدين، قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم في مقدمة صحيحه: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ». ولا يعني هذا اتهام عبد الرزاق بالكذب، ولكنه يدل على عظم أمر النقل.
— طلب الزيادة من العلم — وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يسأله المزيد من العلم فقال في سورة طه: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، قال ابن كثير في تفسيرها إن فيها شرف العلم، إذ لم يؤمر النبي ﷺ بطلب الزيادة من شيء إلا من العلم. وكان عبد الرزاق وأمثاله يرون ذلك فيحتملون عناء السفر وعناء التصنيف.
— خاتمة — وبقي «المصنف» ركنًا من أركان الاستدلال بالآثار، يخرجه المحققون ويحتجون به. وهو يذكّر بفضل الرحلة، وبأن الأئمة الكبار كانوا طلابًا قبل أن يكونوا شيوخًا. نسأل الله أن يرحم عبد الرزاق ويرحم من رحل إليه.
— ضرب أكباد الإبل — وفي سنن الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الْإِبِلِ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَلَا يَجِدُونَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ»، قال الترمذي: حديث حسن. وذكر الترمذي أن عبد الرزاق قال في المراد به: هو مالك بن أنس. وهذا مثال لحال الطلب في ذلك العصر: تُشدّ الرحال إلى العلماء من بلاد بعيدة. وقد صار عبد الرزاق نفسه ممن تُشدّ إليهم الرحال، فجاءه الأئمة من الحجاز والعراق وخراسان إلى صنعاء، وكان يحدثهم فيكتبون عنه.
— تنبيه على الدرجة — مولده ووفاته ووصف ابن حجر مشهوران. رحلة أحمد وإبائه المال بصيغة النقل في مناقب أحمد بلا تحرير إسناد. كلامه في محبة الصحابة مروي في التراجم. حديث ابن عمر في البخاري، وحديث «من حدث عني» في مقدمة مسلم. وتفضيل من سمع قبل المئتين ذكره العلماء في كتب الرواة.
