فتى من بني عبد الدار
مصعب بن عمير بن هاشم القرشي العبدري رضي الله عنه من فتيان قريش المنعّمين. تذكر كتب السيرة والطبقات، ومنها طبقات ابن سعد، أنه كان من أنعم أهل مكة عيشًا، وكان أبواه يحبانه ويكرمانه، وأن ثيابه كانت من أحسن ما يكون. وهذا الوصف مشهور في كتب السير والتراجم، وأكثره من أخبار ابن سعد والواقدي التي في أسانيدها ضعف، لكنه متسق مع ما ثبت في الصحيح من حاله حين مات، كما سيأتي.
إسلامه
أسلم مصعب في مكة في أول الدعوة، وتروي كتب السير أنه أسلم في دار الأرقم، وأنه أخفى إسلامه خوفًا من أمه. وتذكر أن أمه علمت به فحبسته، وأنه ظل على إسلامه حتى هاجر إلى الحبشة في إحدى الهجرتين. وهذه التفاصيل في أمر أمه وحبسه وحرمانه من النعيم مأخوذة من كتب السير والطبقات، وليس فيها حديث صحيح في الصحيحين، فنرويها على أنها مشهورة في السيرة.
وثابت أنه من السابقين من أصحاب النبي ﷺ، ممن آمن وهو في سعة من العيش ثم فقد الدنيا في سبيل الله. وهذا المعنى يؤيده حديث خباب وعبد الرحمن بن عوف في الصحيح.
السفير إلى المدينة
بعد بيعة العقبة الأولى، أرسل النبي ﷺ مصعبًا إلى المدينة ليعلم من أسلم من الأنصار القرآن والدين، ويدعو إلى الإسلام. وفي صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئان الناس القرآن. فهذا ثابت في الصحيح، وهو أصل قولهم إن مصعبًا أول سفير في الإسلام.
وتذكر كتب السير أنه نزل في المدينة ضيفًا على أسعد بن زرارة رضي الله عنه من الخزرج، وأنهما كانا يدعوان الناس إلى الإسلام. وفي رواية ابن إسحاق أن أسعد بن زرارة اصطحبه إلى بني عبد الأشهل وبني ظفر، فجلسا في حائط، فجاء سعد بن معاذ وأُسيد بن حضير، وكانا سيدين، فكره سعد أن يفعل ذلك بنفسه فبعث أُسيدًا. فجاء أُسيد غاضبًا وبيده حربته، فقال لهما: ما جاء بكما إلى حيّنا تُسفّهان ضعفاءنا؟ اعتزلا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. فقال له مصعب: أوَتجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كُفّ عنك ما تكره. قال: أنصفت. ثم ركز حربته وجلس، فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن. فقال أُسيد: ما أحسن هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ فأسلم، ثم أرسل سعد بن معاذ، فصنع مصعب معه مثل ذلك، فأسلم. وبإسلام سعد بن معاذ أسلم بنو عبد الأشهل جميعًا، كما تذكر كتب السير. وهذه القصة رواها ابن إسحاق، وهي مشهورة جدًّا في كتب السيرة، وليس لها إسناد صحيح متصل في الكتب الستة، فنعدها من المشهور في السيرة لا من الثابت المتفق عليه.
وبعد نحو عام جاء مصعب إلى مكة مع وفد الأنصار في موسم الحج، حين كانت بيعة العقبة الثانية، وأخبر النبي ﷺ بما صنع الله على يديه في المدينة. وقد قيل في عدد من أسلم على يديه أعداد كثيرة، لكنها غير محررة، فنكتفي بأن ثمرة دعوته كانت عظيمة.
يوم أحد: صاحب اللواء
كان مصعب حامل لواء المهاجرين، وقيل لواء النبي ﷺ، في بدر وأحد. وتروي كتب السير أنه قاتل يوم أحد حتى قُطعت يده اليمنى فأخذ اللواء بيساره، وهو يقول: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾، ثم قُطعت اليسرى فاحتضن اللواء بعضديه، ثم قُتل. قاتله ابن قَمِيئة، وكان يُشبه النبي ﷺ فظنّ أنه قتل رسول الله ﷺ فصاح بذلك. وهذا من رواية ابن إسحاق والواقدي، وتفاصيله مما لم يثبت بإسناد صحيح، لكن حمله اللواء وقتله في أحد مما أجمع عليه أهل السير.
الكفن القصير: الثابت في الصحيح
وأما الخبر الثابت المشهور فهو في الصحيحين. روى البخاري ومسلم عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: هاجرنا مع النبي ﷺ نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير، قُتل يوم أحد، ولم يترك إلا نمرة، فكنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه. فقال لنا النبي ﷺ: غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه الإذخر. ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها، أي يجنيها.
وروى البخاري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أُتي بطعام وكان صائمًا، فقال: قُتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كُفّن في بردة إن غُطّي رأسه بدت رجلاه، وإن غُطّي رجلاه بدا رأسه، وأُراه قال: وقُتل حمزة وهو خير مني، ثم بُسط لنا من الدنيا ما بُسط، أو قال: أُعطينا من الدنيا ما أُعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عُجّلت لنا. ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.
الوقوف على قبره
تذكر كتب السير أن النبي ﷺ وقف على مصعب وهو مقتول، فقرأ ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ من سورة الأحزاب، وقال إن الله يعلم أنهم عنده شهداء. وهذا الخبر ليس في الصحيح بإسناد قوي، وإن كان معناه حقًّا، فلا ننسبه جازمين. ودُفن مصعب في موضعه، ومعه حمزة وسائر شهداء أحد، وذكرت كتب السير أن اللواء أُخذ بعده فكان علي رضي الله عنه حامل اللواء بعد مصعب في كتب السير.
هكذا كانت حياة مصعب: ثراء ونعيم في مكة، ثم ترك لهما في سبيل دينه، ثم سفارة نجحت في المدينة، ثم شهادة في أحد بلا مال ولا ثياب تكفيه. وفي الصحيح شاهد على ذلك أن الدنيا لم تكن غايته.
