Islamic MixIslamic Mix
‹ سير كبار الصحابة
سير كبار الصحابةمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

خالد بن الوليد رضي الله عنه: سيف الله من فارس قريش إلى فراش الموت

خالد بن الوليد رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

فارس قريش

خالد بن الوليد المخزومي رضي الله عنه من أشراف بني مخزوم، وكان من فرسان قريش المشهورين في الجاهلية، وقاتل المسلمين قبل أن يدخل الإسلام. وتذكر كتب السيرة أنه كان على خيل قريش يوم أحد، وأنه لما رأى الرماة يتركون موقعهم على الجبل التفّ بخيله ودخل على المسلمين من خلفهم. أما ترك الرماة لموقعهم وما جرى بعده فثابت في صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب، وأما أن القائد كان خالدًا فمأخوذ من كتب السير.

ثم جاء الحديبية، وفي صحيح البخاري في حديث المسور بن مخرمة ومروان أن النبي ﷺ لما كان بالحديبية قال: إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين. أي أن خالدًا كان في الجانب المعادي حينها، فسلك النبي ﷺ طريقًا آخر.

الإسلام

أسلم خالد بن الوليد بعد الحديبية وقبل فتح مكة، في السنة السابعة أو الثامنة من الهجرة على اختلاف في ذلك، وقدم المدينة مع عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة رضي الله عنهم. وهذا مشهور في كتب السير والطبقات. وأما الأخبار التفصيلية عن سبب إسلامه ففي أسانيدها ضعف، فنكتفي بأنه أسلم وحسن إسلامه.

مؤتة: تسعة أسياف

في غزوة مؤتة أمّر النبي ﷺ زيد بن حارثة، ثم جعفرًا، ثم عبد الله بن رواحة رضي الله عنهم. وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، وعيناه تذرفان، وقال: أخذ الراية زيد فأُصيب، ثم أخذها جعفر فأُصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأُصيب، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم.

وروى البخاري عن خالد نفسه أنه قال: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية. وفي هذا بيان لشدة القتال. وتذكر كتب السير أنه نظّم الجيش وانحاز بالمسلمين بتدبير حتى لا يستأصلهم الروم، والثابت في الصحيح أن الله فتح على يديه، كما في الحديث السابق.

وقد وردت لقبه من حديث آخر، فروى الترمذي وغيره عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: نِعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله، سلّه الله على الكفار والمنافقين. وحسّن الترمذي الحديث في بعض طرقه، وهو من الأحاديث التي اختلف المحدثون في بعض ألفاظها، فنذكره بصيغة الرواية.

بين الشدة والخطأ: بنو جذيمة

بعثه النبي ﷺ بعد فتح مكة إلى بني جذيمة داعيًا لا مقاتلًا. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا. فجعل خالد يقتل ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره. فذكرنا ذلك للنبي ﷺ فرفع يديه وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، مرتين.

وهذا الحديث يبيّن أن النبي ﷺ لم يرضَ بالقتل، وأن الصحابة أنفسهم أنكروا. وفي كتب السير أنه بعث عليًّا رضي الله عنه بمال ليدفع ديات القتلى ويرضي القوم. فخالد مع فضله وبلائه في الجهاد لم يكن معصومًا، وقد نُسب خطؤه إليه وتبرأ النبي ﷺ من الفعل لا من الشخص.

دفاع النبي ﷺ عنه

وقع بين خالد وعبد الرحمن بن عوف كلام، فروى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء، فسبّه خالد، فقال رسول الله ﷺ: لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه. فبيّن النبي ﷺ فضل السابقين الذين أسلموا قبل الفتح، وخالد من المتأخرين إسلامًا.

ومما يتعلق بأخلاقه وأدبه حديث الضب، ففي الصحيحين أن خالد بن الوليد دخل مع النبي ﷺ على ميمونة، فأُتي بضب محنوذ، فأهوى النبي ﷺ بيده إليه، فقيل له إنه ضب، فرفع يده، فقال خالد: أحرامٌ هو؟ قال: لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه. قال خالد: فاجتررتُه فأكلته والنبي ﷺ ينظر.

قائد في خلافة أبي بكر

بعد وفاة النبي ﷺ قاد خالد جيوش المسلمين في حروب الردة، وكانت أشهر وقائعه معركة اليمامة ضد مسيلمة الكذاب، وقتال طليحة الأسدي في بُزاخة، وغيرهما. ثم وجّهه أبو بكر رضي الله عنه إلى العراق ثم إلى الشام، حيث شارك في معارك أجنادين واليرموك. هذه الوقائع مشهورة في تاريخ الطبري وغيره، وبعض تفاصيلها فيها اضطراب في الروايات، ولا سيما ما يتعلق بمالك بن نويرة وقتله، فقد اختلف فيه المؤرخون ولا نجزم فيه بشيء أكثر مما ثبت عن أبي بكر من قبول اجتهاد خالد.

وروى المؤرخون كثيرًا من المواقف المنسوبة لخالد في العراق والشام، وعامتها ليست في كتب الحديث، وفيها من الأخبار ما لم يُحرر. ومن المشهور في كتب التاريخ أن أبا بكر قال: عجزت النساء أن يلدن مثل خالد. ولا يُعرف لها إسناد قوي، فنذكرها على سبيل الشهرة.

العزل في خلافة عمر

لما وُلّي عمر رضي الله عنه عزل خالدًا عن قيادة الجيش، وولّى أبا عبيدة بن الجراح. وتذكر كتب التاريخ أن عمر أخبر الناس أنه لم يعزله عن خيانة ولا ضعف، وإنما خشي أن يفتتن الناس به وينسبوا النصر إليه دون الله. وهذا المعنى مشهور في الكتب، وفي تثبيته نظر، لكنه موافق لما عرف من نظر عمر. وقد أطاع خالد وبقي جنديًّا في جيش أبي عبيدة، وقال بحسب ما يُروى: إنما أقاتل لرب عمر. وهذه عبارة مشهورة لا يُعرف لها إسناد قوي.

الوفاة

توفي خالد رضي الله عنه في حمص سنة إحدى وعشرين على المشهور، وقيل غير ذلك. وتروي كتب الطبقات أنه قال وهو يحتضر: لقد شهدت مئة زحف أو زهاءها، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء. وهو مروي عند ابن سعد وغيره بأسانيد فيها ضعف أو انقطاع، وقد ذكره بعض الأئمة في ترجمته على سبيل الشهرة. وروي أنه أوصى بماله في سبيل الله وجعل عمر وصيًّا عليه، وأن عمر بكى عليه.

وبهذا انتهت حياة قائد عرفه التاريخ بكثرة الوقائع، وحياته تجمع بين فضل عظيم وخطأ لم يُخفَ، ويبقى ثناء النبي ﷺ عليه بأنه سيف من سيوف الله.

العبرة

الفضل الحقيقي يكون في التسليم لله، وقد يخطئ الفاضل فلا يُنكر فضله، ولا يُقر خطؤه. والقائد الموفق ينسب النصر إلى الله.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب المغازي، غزوة مؤتة (نعي زيد وجعفر وابن رواحة، وتسعة أسياف)؛ صحيح البخاري: كتاب الشروط، حديث الحديبية (خالد بالغميم)؛ صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة؛ صحيح مسلم: فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة؛ صحيح البخاري ومسلم: حديث الضب؛ سنن الترمذي: مناقب خالد؛ تاريخ الطبري؛ طبقات ابن سعد؛ سيرة ابن إسحاق.

الدرجة: الأحداث الأساسية من النبوة ثابتة في الصحيحين: خالد بالغميم، ومؤتة وسيف الله، وتسعة أسياف، وبراءة النبي ﷺ من فعل خالد في بني جذيمة، وحديث لا تسبوا أصحابي، وحديث الضب. وحديث نعم عبد الله وأخو العشيرة حسّنه الترمذي وفيه اختلاف. أما وقائع خلافة الصديق والفاروق وسبب عزله وكلماته عند الموت وعبارة عجزت النساء أن يلدن مثل خالد فمشهورة في كتب التاريخ بأسانيد لا تثبت، ونُبّه عليها في النص.