Islamic MixIslamic Mix
‹ سير كبار الصحابة
سير كبار الصحابةموثّقمدة القراءة نحو ٥ دقائق

سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: مستجاب الدعوة وفاتح القادسية

سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

من السابقين الأولين

هو سعد بن مالك بن أُهيب القرشي الزهري، المعروف بسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، من بني زهرة، أخوال النبي ﷺ من جهة أمه آمنة. وقد روى الترمذي عن جابر أنه أقبل سعد، فقال النبي ﷺ: هذا خالي، فليُرني امرؤ خاله. وحسّنه الترمذي ورواه الحاكم وغيره، وفيه بيان قرابته.

وثبت في صحيح البخاري عنه أنه قال: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام. أي أنه كان ثالث ثلاثة في المرحلة التي أسلم فيها. وتذكر كتب الطبقات أنه أسلم وهو ابن سبع عشرة سنة، وهذا مشهور وليس في الصحيح.

أمه وآية الوالدين

روى مسلم في صحيحه عن سعد قال: نزلت فيّ أربع آيات. وذكر منها قصة أمه حين أسلم، فقالت: ما هذا الدين الذي أحدثت؟ والله لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتُعيَّر بي فيقال: يا قاتل أمه. قال: فقلت لا تفعلي يا أمه، فإني لا أدع ديني لشيء. فمكثت يومًا وليلة لم تأكل، فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يومًا وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحت قد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه، تعلمين والله لو كانت لك مئة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي. فأكلت. فنزلت آية الوصية بالوالدين، وهي في سورتي العنكبوت ولقمان، ومن آية لقمان: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾ . وهذا الحديث عند مسلم بإسناد صحيح، وفيه بيان أن الإحسان إلى الوالدين لا يعني طاعتهما في الشرك.

وفي الحديث نفسه ذكر آية أخرى نزلت في سعد، وهي قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾، فقد قال سعد إن المشركين قالوا للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء عنك، لا يجترئون علينا. وكان سعد وابن مسعود ورجلان من هذيل وبلال ورجلان لم يسمّهما. فوقع في نفس النبي ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه، فأنزل الله الآية. وهذا أيضًا عند مسلم. ولم يرد في الحديث أن النبي ﷺ طردهم، بل ثبّت الله قلبه.

الرمي والدعوة

يذكر ابن إسحاق وغيره أن سعدًا أول من رمى بسهم في سبيل الله. وروى البخاري عنه قال: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله. وكان في سرية عبيدة بن الحارث، وهو ما ذكره أهل المغازي.

ويوم أحد ثبت في الصحيحين عن علي رضي الله عنه قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يجمع أبويه لأحد غير سعد بن مالك، فإني سمعته يقول يوم أحد: ارمِ فداك أبي وأمي. وفي الترمذي والحاكم أن النبي ﷺ قال: اللهم سدّد رميته وأجب دعوته. وصحح الحاكم والألباني هذه الدعوة. ولهذا اشتهر سعد بأنه مجاب الدعوة. وفي مسلم عن سعد قال: رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد، يعني جبريل وميكائيل عليهما السلام.

وفي البخاري عنه أنه ظن أن له فضلًا على من دونه، فقال النبي ﷺ: هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم؟ وهو حديث صحيح فيه نفي الاغترار بالقوة.

مرض حجة الوداع

روى البخاري ومسلم عن سعد قال: عادني النبي ﷺ عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: فالشطر؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت بها حتى ما تجعل في فيّ امرأتك. فقلت: يا رسول الله أُخلّف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تخلّف فتعمل عملًا صالحًا إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تُخلّف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون. وقد أخذ العلماء منه حكم الوصية بالثلث، وجواز طلب الوارث ما فيه خير.

وكان الحديث نبوءة ظهرت في حياته، فعاش بعد ذلك دهرًا وانتفع به المسلمون في فتوح العراق.

قيادة القادسية

في خلافة عمر رضي الله عنه وجّه عمر سعدًا إلى العراق قائدًا للجيش لقتال الفرس، وقاد المسلمين في معركة القادسية، وكانت من أعظم المعارك. وتذكر كتب التاريخ، كتاريخ الطبري، أن سعدًا كان يشكو من قروح أو مرض فكان يدير المعركة من بعيد، وأن المعركة استمرت أيامًا، وأن النصر كان للمسلمين، ثم فُتحت المدائن وعبر المسلمون دجلة، وصلى سعد في إيوان كسرى صلاة الفتح. وهذه المعلومات من الأخبار التاريخية التي رُويت بأسانيد متفاوتة، وفي تفاصيلها اضطراب، ولا سيما أعداد الجيوش وأسماء الأيام، فلا نجزم بتفاصيلها.

وتذكر الأخبار التاريخية أن سعدًا بنى الكوفة واتخذها دار إقامة. وهنا تقع قصة الشكوى التي في صحيح البخاري عن جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر فعزله واستعمل عليهم عمارًا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي. فأرسل إليه عمر فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي. قال: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ما أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء فأركد في الأوليين وأخفّ في الأخريين. قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق. ثم أرسل معه رجلًا أو رجالًا إلى الكوفة يسألون عنه، فلم يدع مسجدًا إلا سأل عنه ويثنون معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة يكنى أبا سعدة فقال: أما إذ نشدتنا فإن سعدًا كان لا يسير بالسرية ولا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية. قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياءً وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرّضه للفتن. وكان بعد ذلك إذا سُئل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد. قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن.

وفي حديث موت عمر في صحيح البخاري، لما جعل الأمر شورى في ستة، قال: فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أُمّر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة. وبهذا نعرف أن عزل سعد لم يكن اتهامًا.

اعتزال الفتنة

اعتزل سعد القتال في الفتنة بين المسلمين، وسكن العقيق قرب المدينة. وروى مسلم أن ابنه عامرًا جاءه فقال: أتنزل في إبلك وغنمك وتترك الناس يتنازعون الملك بينهم؟ فضرب سعد صدر ابنه، وقال: اسكت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي.

الوفاة

توفي سعد رضي الله عنه في العقيق نحو سنة خمس وخمسين من الهجرة على المشهور، وقيل غير ذلك، وهو آخر العشرة المبشرين بالجنة وفاة، ودُفن بالبقيع. وروى مسلم عنه أنه قال في مرض موته: ألحدوا لي لحدًا، وانصبوا عليّ اللبن نصبًا كما صُنع برسول الله ﷺ.

العبرة

ثبات الإنسان على دينه لا يعارض بره بوالديه، ومن عظمت منزلته فليحذر الاغترار بقوته ولا يتكبر على الضعفاء.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب مناقب الصحابة، باب مناقب سعد بن أبي وقاص (ثلث الإسلام)؛ صحيح مسلم: فضائل الصحابة، فضائل سعد (آيات نزلت فيه، وحديث أمه، ورؤية جبريل وميكائيل)؛ صحيح البخاري ومسلم: ارم فداك أبي وأمي؛ صحيح البخاري ومسلم: عيادة النبي ﷺ له (الثلث والثلث كثير)؛ صحيح البخاري: كتاب الأذان (شكوى أهل الكوفة) عن جابر بن سمرة؛ صحيح البخاري: كتاب فضائل الصحابة، قصة طعن عمر؛ صحيح مسلم: كتاب الزهد (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)؛ سنن الترمذي (هذا خالي، ودعوة سعد)؛ تاريخ الطبري؛ سورة لقمان؛ سورة الأنعام.

الدرجة: معظم السيرة ثابت في الصحيحين: ثلث الإسلام، وآية الوالدين وآية الأنعام، وارم فداك أبي وأمي، ومرض حجة الوداع، وشكوى أهل الكوفة ودعوته، وكلام عمر عند موته، والغني الخفي، ولحد القبر. حديث هذا خالي ودعوة سعد عند الترمذي والحاكم وصححه أو حسّنه بعض أهل العلم. وتفاصيل القادسية والمدائن وصلاة الفتح وإسلامه في سن السابعة عشرة من كتب التاريخ والطبقات وفيها اضطراب لا يبلغ درجة الصحيح، ونُبّه على ذلك في النص.