أمين الأمة
هو عامر بن عبد الله بن الجراح القرشي الفهري، المشهور بكنيته أبو عبيدة رضي الله عنه، وأحد العشرة المبشرين بالجنة. وكانت أشهر صفة له على لسان النبي ﷺ هي الأمانة. ففي صحيح البخاري عن حذيفة رضي الله عنه قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيًّا فلاعَنّا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. ثم قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلًا أمينًا ولا تبعث معنا إلا أمينًا. فقال: لأبعثنّ معكم رجلًا أمينًا حق أمين. فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ، فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح. فلما قام قال رسول الله ﷺ: هذا أمين هذه الأمة. وفي صحيح مسلم من حديث أنس مثل ذلك: إن لكل أمة أمينًا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.
إسلامه وهجرته
تذكر كتب السير، كسيرة ابن إسحاق، أنه أسلم في أول الإسلام على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع عدد من السابقين، وأنه هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة. وهذه الأخبار مشهورة في كتب التراجم، وإسنادها لا يبلغ درجة الصحيح، لكن كونه من السابقين متفق عليه.
وتُروى قصة عن أحد، أن حلقتين من حلق المغفر دخلتا في وجنة النبي ﷺ، فنزعهما أبو عبيدة بأسنانه حتى سقطت ثنيتاه. وهذا الخبر مشهور في كتب السير والتاريخ، وروي من حديث أبي بكر الصديق، وفي إسناده ضعف، فنذكره على أنه مشهور لا ثابت بدرجة الصحيح. والثابت في الصحيح أن النبي ﷺ جُرحت وجنته وكُسرت رباعيته يوم أحد.
ومما يُذكر عنه أن أباه جاء يوم بدر في صفوف المشركين، فتحاشاه أبو عبيدة حتى أصر الأب على قتاله فقتله، ويقال إن قوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله﴾ نزلت فيه. وهذا الخبر ضعيف الإسناد، وقد ضعّفه أهل العلم، فلا ينبغي الجزم بأنه سبب النزول.
جيش الخبط
في صحيح البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله ﷺ ونحن ثلاث مئة راكب، أميرنا أبو عبيدة بن الجراح، نرصد عيرًا لقريش، فأقمنا بالساحل نصف شهر، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط، فسُمّي جيش الخبط. فألقى لنا البحر دابة يقال لها العنبر، فأكلنا منها نصف شهر وادّهنّا من ودكها حتى ثابت أجسامنا. فأخذ أبو عبيدة ضلعًا من أضلاعه فنصبه، ثم نظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول بعير، فمرّ تحته. وذكر جابر أن أبا عبيدة كان قبل ذلك يعطيهم تمرة تمرة، ثم لما فنيت وجدوا فقدها. وفي بعض الروايات أن النبي ﷺ لما بلغه ذلك سأل أصحابه إن كان معهم شيء من لحمه، فأرسلوا إليه منه فأكل. وفي هذه القصة أمانة أبي عبيدة في تدبير زاد الجيش وقيادته لهم في الشدة.
لا اختلاف مع عمرو
في غزوة ذات السلاسل أُرسل عمرو بن العاص رضي الله عنه على الجيش، ثم أمدّه النبي ﷺ بأبي عبيدة ومعه جماعة من المهاجرين الأولين. وتذكر كتب السير أن النبي ﷺ أوصاه ألا يختلف مع عمرو. فلما قدم قال عمرو: أنا أميركم لأنني مَدَد. فقال أبو عبيدة: إن رسول الله ﷺ قال لي: لا تختلفا، فإن عصيتني أطعتك. فقال عمرو: فإني الأمير عليك. فصلى بهم عمرو. وهذا الخبر في المسند وكتب السير، وفي إسناده بعض الخلاف، لكنه متسق مع خلق أبي عبيدة الثابت في غيره.
الخلافة والشام
بعد وفاة النبي ﷺ يوم السقيفة، قال عمر رضي الله عنه في خطبته المشهورة في البخاري: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، يعني أبا بكر وأبا عبيدة. أي أن أبا عبيدة كان في مكانة عالية عند الصحابة، وبايع أبا بكر. ثم وجّه الصديق جيوشًا إلى الشام، وكان أبو عبيدة من أمراء الجيوش، وبعد عزل خالد بن الوليد في خلافة عمر صار أبو عبيدة قائد الجيوش في الشام. وتروي كتب التاريخ أن الجيوش الإسلامية فتحت دمشق وحمص وغيرهما في زمنه، وأن حملة اليرموك كانت قبل ذلك أو في أثنائها، وهذه الأخبار مفصلة في تاريخ الطبري، وفي أسانيدها اختلاف يسير في الترتيب والتواريخ.
وتحكي كتب الخراج أن أبا عبيدة رد الجزية على أهل حمص حين اضطر المسلمون إلى الانسحاب منها لما جمع الروم لهم، وقال: إنا لا نقدر على منعكم، فنرد عليكم ما أخذنا. وهذا الخبر مشهور في كتاب الخراج لأبي يوسف وفتوح البلدان للبلاذري، وهو في سنده ضعف، لكن مبدأ الوفاء بالعهد مقرر في الشرع.
سرغ: أفرارًا من قدر الله
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد، أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام. فاستشار المهاجرين الأولين ثم الأنصار ثم مشيخة قريش، فأجمعوا على الرجوع. فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه. فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديًا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ ثم جاء عبد الرحمن بن عوف فقال: إن عندي من هذا علمًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه. فحمد الله عمر ثم انصرف.
طاعون عمواس والوفاة
بعد ذلك وقع الطاعون في الشام، وتسمى هذه السنة سنة طاعون عمواس. وتذكر كتب التاريخ أن عمر كتب إلى أبي عبيدة يقول إن لي إليك حاجة لا غنى بي عنك فيها، يريد أن ينجيه من الوباء، فعرف أبو عبيدة مراده، فكتب إليه: إني في جند من أجناد المسلمين لا أرغب بنفسي عنهم. فلما قرأ عمر الكتاب بكى. وهذا الخبر مروي في تاريخ الطبري وعند ابن سعد وغيرهما، وأسانيده فيها ضعف لكن الخلاصة أنه ثبت على قضاء الله مع المسلمين.
مات أبو عبيدة بالطاعون سنة ثماني عشرة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة على المشهور. وتروي بعض كتب السير أن عمر قال عنه: لو كان أبو عبيدة حيًّا لاستخلفته. وفي ذلك روايات في المسند وغيره لا تخلو من انقطاع، فنذكرها على سبيل الشهرة.
عاش أبو عبيدة أمينًا في المال والقيادة والعلاقة بالناس، وأثنى عليه النبي ﷺ بأنه أمين هذه الأمة، ومات في ميدان الجهاد والرباط مع جنده.
