Islamic MixIslamic Mix
‹ سير كبار الصحابة
سير كبار الصحابةمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

معاذ بن جبل رضي الله عنه: أعلم الأمة بالحلال والحرام وداعية اليمن

معاذ بن جبل رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

فتى من الخزرج

هو معاذ بن جبل بن عمرو الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه، من الأنصار، أسلم صغيرًا في المدينة على يد مصعب بن عمير رضي الله عنه على ما تذكر كتب السير، وشهد العقبة الثانية مع السبعين. وتذكر كتب السيرة، ومنها سيرة ابن إسحاق، أنه والفتيان من قومه أخذوا صنم عمرو بن الجموح وألقوه في حفرة، وكان عمرو يخرجه ويغسله ويطيّبه ثم يجدونه كل مرة قد ألقوه، حتى علّق عليه سيفه وقال لصنمه إن كان فيه خير فليدفع عن نفسه، فلما أصبح وجده ميتًا مع كلب مقرونًا، فأسلم. وهذه القصة مشهورة في السير وليس لها إسناد صحيح في الكتب الستة، ولا نبني عليها شيئًا من الأحكام.

وتذكر كتب الطبقات أن معاذًا كان من أجمل الناس وجهًا وأسمحهم يدًا، وأنه شهد بدرًا وما بعدها. ووصف الجمال والسماحة مشهور في الطبقات وليس له إسناد صحيح، فهو من المشهور.

الفقيه الذي أثنى عليه النبي ﷺ

روى الترمذي وابن ماجه وأحمد عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أمينًا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح. والحديث صححه الترمذي، وبعضهم تكلم في بعض طرقه، وقد صححه الألباني بمجموع طرقه.

وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو أنه ذكر النبي ﷺ وقال: خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل. فهذا ثابت في الصحيح.

الحب والتواصي

روى أبو داود والنسائي وأحمد عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ أخذ بيده وقال: يا معاذ، والله إني لأحبك، فقال: أوصيك يا معاذ لا تدعنّ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. وإسناده صحيح، وصححه الألباني وغيره.

وروى البخاري ومسلم عن معاذ قال: كنت رديف النبي ﷺ على حمار يقال له عُفير، فقال: يا معاذ، هل تدري ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا. قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا. وقد ذكر البخاري أن معاذًا أخبر بهذا الحديث عند موته تأثمًا، أي خوفًا من إثم كتمان العلم.

وفي موقف آخر ثابت في الصحيحين، كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ العشاء ثم يرجع فيؤم قومه، فقرأ بهم يومًا سورة البقرة، فانصرف رجل من خلفه وصلى وحده. فقال معاذ: إنه منافق. فشكاه الرجل إلى النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: أفتّان أنت يا معاذ؟ ثلاثًا، اقرأ بـ﴿والشمس وضحاها﴾ و﴿سبّح اسم ربك الأعلى﴾ و﴿والليل إذا يغشى﴾ ونحوها. فبيّن النبي ﷺ أن الإمام يخفف، وأنه لا يجوز اتهام الناس بالنفاق على الظن.

مبعوث إلى اليمن

بعثه النبي ﷺ إلى اليمن في السنة العاشرة للهجرة معلمًا وقاضيًا. وفي الصحيحين عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوقَّ كرائم أموال الناس، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب.

وفي الصحيح أيضًا أن النبي ﷺ بعث معاذًا وأبا موسى الأشعري إلى اليمن، وقال: يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا.

وأما حديث اجتهاد الرأي المشهور، وفيه أن النبي ﷺ سأل معاذًا: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب النبي ﷺ صدره وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله. فرواه أبو داود والترمذي من طريق عن ناس من أصحاب معاذ لا يُعرفون، وضعّفه ابن حزم والترمذي وغيرهما، وقد قبله بعض الأصوليين لتلقي الأمة له. فنذكره مع التنبيه على ضعف إسناده.

وتذكر كتب السير أن النبي ﷺ خرج مع معاذ يوصيه وهو راكب، ثم قال له: يا معاذ، لعلك لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري. فبكى معاذ جزعًا لفراق رسول الله ﷺ. ورواه أحمد، وفي إسناده ضعف، لكن ما حدث بعده يصدقه، فقد رجع معاذ بعد موت النبي ﷺ.

بعد النبي ﷺ

عاد معاذ من اليمن إلى المدينة بعد وفاة النبي ﷺ في عهد أبي بكر. ثم ذهب معاذ إلى الشام مجاهدًا، وتذكر كتب الطبقات أن أبا عبيدة استخلفه على الناس حين أصابه الطاعون، وأنه كان يعلّم الناس في الشام، وأن عمر رضي الله عنه كان يقول: لولا معاذ لهلك عمر. وهذه العبارة مشهورة في كتب التراجم ولا يثبت لها إسناد قوي، وإن كان معناه في فضل معاذ العلمي صحيحًا في الجملة.

وروى الطبري في تفسيره عن ابن مسعود في قوله تعالى في سورة النحل في إبراهيم: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله﴾ أنه قال في معاذ إنه كان أمة قانتًا لله، أي إماما يُقتدى به في الخير. وهذا مروي في بعض الطرق وفي إسناده كلام يسير.

الوفاة

أصاب معاذًا الطاعون مع أبي عبيدة في عمواس سنة ثماني عشرة، وكان عمره في الثلاثينات على اختلاف الروايات. وتذكر كتب التراجم أنه قال عند موته: مرحبًا بالموت، زائر حبيب جاء على فاقة. وهذا الخبر رواه أحمد في الزهد وابن سعد وغيرهما، وفي بعض الطرق ضعف، فهو مشهور لا ثابت بيقين.

عاش معاذ تلميذًا للنبي ﷺ ومعلمًا للناس، وفي الثابت من سيرته ما يكفي لبيان منزلته، من غير حاجة إلى ما لم يصح.

العبرة

العلم أمانة تُبلَّغ بالتيسير والرفق، والإمام يراعي حال الضعيف والكبير، ولا يتهم أحدًا بالنفاق بغير بينة.

المصدر: صحيح البخاري ومسلم: حديث معاذ في بعثه إلى اليمن (حديث ابن عباس)؛ صحيح البخاري ومسلم: كتاب العلم/الإيمان، حق الله على العباد (حديث معاذ)؛ صحيح البخاري ومسلم: أفتان أنت يا معاذ؛ صحيح البخاري: خذوا القرآن من أربعة؛ سنن الترمذي وابن ماجه: أرحم أمتي بأمتي؛ سنن أبي داود والنسائي: إني لأحبك يا معاذ؛ سنن أبي داود والترمذي: حديث اجتهاد الرأي (ضعيف الإسناد)؛ مسند أحمد؛ سيرة ابن إسحاق؛ طبقات ابن سعد؛ تفسير الطبري، سورة النحل.

الدرجة: الثابت في الصحيحين: حق الله على العباد، وأفتان أنت يا معاذ، وبعثه إلى اليمن ووصية الدعوة، ويسّرا ولا تعسّرا، وخذوا القرآن من أربعة. وحديث إني لأحبك يا معاذ صحيح الإسناد. وحديث أعلمهم بالحلال والحرام صححه الترمذي ومن بعده. أما حديث اجتهاد الرأي فضعيف الإسناد ونُبّه عليه. وما ذُكر عن صنم عمرو بن الجموح وجماله وماله وكلمات الاحتضار ولولا معاذ لهلك عمر فمشهور في السير والطبقات دون إسناد صحيح، ونُبّه عليه في النص.