Islamic MixIslamic Mix
‹ سير كبار الصحابة
سير كبار الصحابةمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

أبو هريرة رضي الله عنه: حافظ الصحابة من جوع الصُّفّة إلى إمارة المدينة

أبو هريرة رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

من دَوْس إلى المدينة

أبو هريرة رضي الله عنه من قبيلة دَوْس اليمانية، واختلف العلماء في اسمه اختلافًا كثيرًا في الجاهلية والإسلام، والمرجّح عند الأكثرين أنه عبد الرحمن بن صخر، وقيل غير ذلك. وقد نُقل في كنيته أنها بسبب هرّة صغيرة كان يحملها، وهذا مروي عند الترمذي والحاكم وغيرهما بإسناد فيه ضعف، فهو مشهور لا ثابت.

وكان إسلامه على يد الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه الذي دعا قبيلة دوس. ثم قدم أبو هريرة المدينة في السنة السابعة، وكان النبي ﷺ في خيبر، فلحق به هناك، كما يذكر ابن سعد وأهل السير. وثبت عنه في صحيح البخاري أن الطفيل دعا على دوس فقال النبي ﷺ: اللهم اهدِ دوسًا وائتِ بهم.

إسلام أمه

روى مسلم عن أبي هريرة قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يومًا فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادعُ الله أن يهدي أم أبي هريرة. فقال رسول الله ﷺ: اللهم اهدِ أم أبي هريرة. فخرجت مستبشرًا بدعوة النبي ﷺ، فلما صرت إلى الباب فإذا هو مُجاف، فسمعت أمي خشف قدميّ فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فرجعت إلى رسول الله ﷺ وأنا أبكي من الفرح، قلت: يا رسول الله أبشر، قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة. فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرًا. قلت: يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا. فقال: اللهم حبّب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبّب إليهم المؤمنين. فما خُلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني.

الفقر والملازمة

كان أبو هريرة من أهل الصُّفّة، فقراء المهاجرين الذين أووا إلى المسجد. وروى البخاري عنه قال: والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشدّ الحجر على بطني من الجوع. ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمرّ أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل، ثم مرّ عمر فصنع مثل ذلك، حتى مرّ النبي ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: أبا هرّ. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: الحق. ثم دخل فاستأذنت فأذن لي، فوجد لبنًا في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان. قال: أبا هرّ، الحق إلى أهل الصفة فادعهم. قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال. فساءني ذلك، وكنت أرجو أن أصيب من اللبن شربة أتقوى بها. فدعوتهم، فأقبلوا واستأذنوا، فقال لي: خذ فأعطهم. فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى يروى، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ، وبقي في القدح فضلة، فقال: بقيتُ أنا وأنت. قلت: صدقت يا رسول الله. قال: اقعد فاشرب. فشربت، ثم قال: اشرب، فما زال يقول: اشرب، حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا. فأخذ القدح فشرب الفضلة.

الحفظ والكثرة

كان أبو هريرة أكثر الصحابة رواية للحديث، ويُذكر أن ما رواه نحو خمسة آلاف وثلاث مئة وسبعين حديثًا، وهذا العدد نقله الأئمة كابن حزم عن بقي بن مخلد، وهو مشهور وإن كان فيه اختلاف باعتبار التكرار والطرق. وقد ردّ هو نفسه على من تعجب من كثرة حديثه، فقال في صحيح البخاري: إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ، والله الموعد. وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم، وكنت امرأً مسكينًا ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني، فأحضر إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا.

وروى البخاري قصة البردة، أنه قال للنبي ﷺ إنه يسمع منه حديثًا كثيرًا ينساه، فقال: ابسط رداءك، فبسطته، فغرف بيديه ثم قال: ضمّه، فضممته، فما نسيت شيئًا بعده. وهذا عند البخاري ومسلم.

وفي البخاري عنه أنه قال: ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب. وفيه اعتراف بفضل عبد الله بن عمرو في التدوين.

مواقف ثابتة

سأله النبي ﷺ يومًا: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ كما في صحيح البخاري، فقال له: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه.

ومن أشهر مواقفه قصة حفظه زكاة رمضان، وفيها أن النبي ﷺ جعله على صدقة رمضان، فأتاه آتٍ يحثو من الطعام، فأخذه وقال: لأرفعنّك إلى رسول الله ﷺ، فقال: إني محتاج وعليّ عيال، فخلى سبيله. ثم تكرر ذلك مرتين، وفي الثالثة علّمه آية الكرسي وقال إنه لا يزال عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح. فقال النبي ﷺ: صدقك وهو كذوب، ذاك شيطان. وهذا في صحيح البخاري.

ما قيل في كثرة روايته

لم تخلُ كثرة روايته من تساؤل بين الصحابة. وقد روى مسلم أن عائشة رضي الله عنها قالت لعروة: ألا يعجبك أبو هريرة، جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله ﷺ يُسمعني ذلك وكنت أسبّح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم. فكان نقدها في طريقة السرد لا في صدقه، وقد جاء عن غير واحد من الصحابة تصديقه، ومنهم ابن عمر وطلحة بن عبيد الله فيما ينقله العلماء في ترجمته.

الولاية والوفاة

تذكر كتب التاريخ أن عمر ولّاه البحرين، ثم عزله، وأنه سأله من أين له مال، فبيّن له مصدره. وهذه القصة رواها ابن سعد وغيره وفي أسانيدها اختلاف، فهي مشهورة وفي ثبوتها نظر. وصحّ أنه ناب في المدينة عن مروان بن الحكم في إمرته،

ومات في المدينة في أواخر خلافة معاوية رضي الله عنهما، في سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين على الخلاف، وله نحو ثمان وسبعين سنة. وتذكر كتب الطبقات أنه بكى في مرضه، فقيل له ما يبكيك؟ فقال: أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكن أبكي لبعد سفري وقلة زادي، وأني أصبحت في صعود مهبطه على جنة أو نار، فلا أدري إلى أيتهما يسلك بي. وهذا الخبر مشهور وإسناده لا يخلو من ضعف.

العبرة

طلب العلم يحتاج إلى صبر على الفقر والجوع وملازمة العالم، وأكرم الناس بالإيمان والإحسان إلى الوالدين، وعلى الراوي أن يتحرى ما يرويه.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب العلم (ابسط رداءك، وإنكم تقولون أكثر أبو هريرة، وما من أصحاب النبي أكثر حديثًا)؛ صحيح مسلم: فضائل الصحابة، باب فضائل أبي هريرة (إسلام أمه)؛ صحيح البخاري: كتاب الرقاق، باب كيف كان عيش النبي (قدح اللبن)؛ صحيح البخاري: كتاب العلم (أسعد الناس بشفاعتي)؛ صحيح البخاري: كتاب الوكالة (حارس الزكاة)؛ صحيح البخاري: دعاء النبي ﷺ لدوس؛ صحيح مسلم: كتاب الزهد والرقائق (قول عائشة)؛ سنن الترمذي والمستدرك (الهرة)؛ طبقات ابن سعد.

الدرجة: أغلب ما في القصة ثابت في صحيحي البخاري ومسلم: دعاء النبي ﷺ لأمه، وملازمته، وقدح اللبن، وابسط رداءك، وأسعد الناس بشفاعتي، وحارس الزكاة، وقول عائشة. وأمر كنيته من الهرة وعمله في البحرين وكلماته عند المرض وتعداد حديثه فمشهورة ضعيفة السند أو مختلف فيها، ونُبّه عليها في النص. الاختلاف في اسمه واسع، وما ذُكر هو الراجح عند الأكثر.