Islamic MixIslamic Mix
‹ سير كبار الصحابة
سير كبار الصحابةمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

أنس بن مالك رضي الله عنه: خادم النبي ﷺ عشر سنين وآخر الصحابة بالبصرة

أنس بن مالك رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

غلام في بيت أم سليم

هو أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي النجاري رضي الله عنه، وأمه أم سليم بنت ملحان رضي الله عنها. وتزوجت أم سليم بعد وفاة أبيه من أبي طلحة الأنصاري. وفي سنن النسائي بإسناد صحيح عن أنس أن أبا طلحة خطب أم سليم، فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يُرَدّ، ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تُسلِم فذاك مهري، ولا أسألك غيره. فأسلم، فكان ذلك مهرها. قال ثابت: فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهرًا من أم سليم: الإسلام، فدخل بها فولدت له.

ولما قدم النبي ﷺ المدينة، أخذت أم سليم بيد أنس وكان صغيرًا، فجاءت به إلى النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله، هذا أنيس ابني أتيتك به يخدمك فادعُ الله له. فقال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته. وهذا ثابت في صحيح البخاري ومسلم، وفيه بيان كيف دخل أنس في خدمة النبي ﷺ. ويقول أنس إنه خدم النبي ﷺ عشر سنين، وهي مدة إقامته بالمدينة.

عشر سنين: بلا أف

في صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي أفٍّ قط، وما قال لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَ تركته، وكان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقًا، ولا مسست خزًّا قط ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كف رسول الله ﷺ، ولا شممت مسكًا قط ولا عطرًا كان أطيب من عَرَق رسول الله ﷺ. وهذا الحديث مما صح في الصحيحين، وهو شاهد على خلق النبي ﷺ مع من يخدمه.

وفي الصحيحين أن النبي ﷺ كان يزور أهل أنس، فكان له أخ صغير يقال له أبو عمير، وكان له طائر صغير يلعب به، فمات، فقال له النبي ﷺ: يا أبا عمير، ما فعل النُّغير؟ وفي الحديث فوائد فقهية ذكرها العلماء، منها جواز المزاح مع الصغير والكنية له.

وفي الصحيح أيضًا أنه كان يمر على صبيان فيسلّم عليهم، ويقول: كان النبي ﷺ يفعله. وأن النبي ﷺ أرسله ذات مرة في حاجة فذهب ثم رأى صبيانًا يلعبون في السوق، فأخذ النبي ﷺ بقفاه من ورائه وهو يضحك، وقال: يا أنيس، أذهبت حيث أمرتك؟ قال: نعم أنا أذهب يا رسول الله. وهذا في صحيح مسلم.

حياة أسرته: مات أبو عمير وأم سليم

روى البخاري ومسلم قصة وفاة ابن لأبي طلحة وأم سليم، فيها أن الولد مرض فخرج أبو طلحة إلى عمله ومات الصبي، فسجّته أم سليم في جانب البيت وقالت لأهلها لا تخبروا أبا طلحة حتى أكون أنا أخبره. فلما جاء قرّبت له عشاءه فأكل وشرب، ثم تصنّعت له أحسن ما كانت تصنّع، فأصاب منها. فلما رأته شبع وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك. فغضب وقال: تركتني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتني بابني! فانطلق حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره بما كان، فقال رسول الله ﷺ: بارك الله لكما في غابر ليلتكما. فحملت، وجاءت بولد، فحنّكه النبي ﷺ، وسمّاه عبد الله. وقال رجل من الأنصار: فرأيت لهما تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن. والخبر ثابت في الصحيحين مع اختلاف يسير في السياق.

أنس وعمه وعمته

شهد أنس صغيرًا بعض مغازي النبي ﷺ خادمًا، وتذكر كتب الطبقات أنه كان مع النبي ﷺ في بدر خادمًا، وهذا مشهور فيها. وأما عمه أنس بن النضر رضي الله عنه فغاب عن بدر، فقال: غُبت عن أول قتال قاتلتَه المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرينّ الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعني المشركين. ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ فقال: أي سعد، إني أجد ريح الجنة دون أحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قُتل وقد مثّل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. وكنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾. رواه البخاري ومسلم.

وفي صحيح البخاري قصة عمته الرُّبَيِّع بنت النضر، أنها كسرت ثنية جارية فطلبوا العفو فأبوا، فأتوا النبي ﷺ فأمر بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيّع؟ لا والذي بعثك بالحق لا تُكسر ثنيتها. فقال: يا أنس، كتاب الله القصاص. فرضي القوم فعفوا. فقال النبي ﷺ: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه.

موته ﷺ وأحبّاؤه

روى الترمذي وابن ماجه عن أنس قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيدي وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا. وهو حديث صححه الترمذي. وروى البخاري عنه أنه كان يوم الاثنين الذي مات فيه النبي ﷺ قد كشف الستر فنظر إلى المسلمين وهم صفوف في الصلاة فتبسم يضحك، ثم أرخى الستر.

وفي الصحيحين أن رجلًا سأل النبي ﷺ: متى الساعة؟ فقال: وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله. قال: أنت مع من أحببت. قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﷺ: أنت مع من أحببت. قال أنس: فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم.

بعد النبي ﷺ

بعد وفاة النبي ﷺ عاش أنس عمرًا طويلًا، وفي صحيح البخاري أن أبا بكر كتب له كتاب الصدقات حين وجهه إلى البحرين. وفي أيام عمر وبعده ذهب إلى البصرة وسكنها، وصار من علمائها. وكان كثير الرواية عن النبي ﷺ، وانتشر علمه على يد تلامذته كثابت البناني والحسن البصري وغيرهما.

ومن ثمرة دعاء النبي ﷺ له بالبركة أنه كان يقول إن ولده يتعادون على نحو المئة، رواه البخاري في الصحيح عنه. وروى الترمذي أن له بستانًا يحمل في السنة مرتين، وهو حديث حسّنه الترمذي ولكنه مما يحتاج إلى نظر.

وتذكر كتب الطبقات أنه لقي أذى من الحجاج بن يوسف، فختم في عنقه، وأنه ذهب إلى الخليفة عبد الملك فشكاه. وهذا الخبر يرويه ابن سعد وغيره بأسانيد فيها كلام، فهو مشهور في التراجم لا ثابت بيقين.

الوفاة

توفي أنس بن مالك رضي الله عنه في البصرة سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وتسعين، واختلف في سنه عند الوفاة، وقد قيل نحو المئة، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة.

العبرة

حسن الخلق في معاملة الخدم والصغار أصل في الإسلام. وتربية الأم الصالحة تصنع رجالًا، ومحبة الله ورسوله أعظم ما يُعتمد عليه يوم القيامة.

المصدر: صحيح البخاري ومسلم: دعاء النبي ﷺ لأنس بالمال والولد؛ صحيح مسلم: كتاب الفضائل، باب كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا (خدمت رسول الله عشر سنين)؛ صحيح البخاري ومسلم: يا أبا عمير ما فعل النغير؛ صحيح مسلم: أنيس أذهبت حيث أمرتك؛ صحيح البخاري ومسلم: وفاة ابن أبي طلحة؛ صحيح البخاري: أنس بن النضر وريح الجنة، وقصة الربيع؛ صحيح البخاري ومسلم: أنت مع من أحببت؛ سنن النسائي: مهر أم سليم؛ سنن الترمذي وابن ماجه: ما نفضنا عن رسول الله الأيدي؛ طبقات ابن سعد؛ سورة الأحزاب (23).

الدرجة: أغلب القصة ثابت في الصحيحين، وحديث مهر أم سليم صحيح عند النسائي، وحديث وفاة النبي ﷺ صححه الترمذي. أما البستان الذي يثمر مرتين فحسّنه الترمذي وفيه نظر، وخبر ختم الحجاج عنقه من الطبقات وفيه ضعف، وسنّه عند الوفاة مختلف فيها ولا يُجزم بها. ونُبّه على ذلك في النص.