Islamic MixIslamic Mix
‹ سير كبار الصحابة
سير كبار الصحابةمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: راعي الغنم الذي صار إمام قراء الصحابة

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

راعي عقبة

هو عبد الله بن مسعود الهُذلي رضي الله عنه، ويكنى أبا عبد الرحمن، وكان من هُذيل، وتُنسب إلى أمه أم عبد فيُقال له ابن أم عبد. كان في مكة يرعى غنمًا لعقبة بن أبي مُعيط، وهو من أشد أعداء الإسلام. وروى الإمام أحمد في المسند عنه قال: كنت أرعى غنمًا لعقبة بن أبي مُعيط، فجاء النبي ﷺ وأبو بكر وقد فرّا من المشركين، فقالا: يا غلام، هل عندك من لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن ولست ساقيكما. فقال النبي ﷺ: هل عندك من جذعة لم ينزُ عليها الفحل؟ قلت: نعم. فأتيتهما بها، فاعتقلها النبي ﷺ ومسح الضرع ودعا، فحفل الضرع، فأتاه أبو بكر بصخرة متقعّرة فاحتلب فيها، فشرب أبو بكر ثم شربت، ثم قال للضرع: اقلص، فقلص. ثم قلت: علّمني من هذا القول. فمسح رأسي وقال: يرحمك الله فإنك غلام معلَّم. وقال ابن مسعود: فأخذت من فيه سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد. والحديث في المسند وإسناده حسن عند بعض المحققين، وفيه تفصيل ليس في الصحيحين.

أول من جهر بالقرآن

تذكر كتب السيرة، كسيرة ابن إسحاق، أن أول من جهر بالقرآن بمكة بعد النبي ﷺ ابن مسعود، إذ اجتمع الصحابة يومًا فقالوا إن قريشًا ما سمعت هذا القرآن يُجهَر به قط، فمن رجل يسمعهموه؟ فقال ابن مسعود: أنا. فقالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلًا له عشيرة تمنعه. فقال: دعوني فإن الله سيمنعني. فغدا حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها، فقام عند المقام فقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم الرحمن علّم القرآن﴾، فتأمّلوه فقالوا: ما يقول ابن أم عبد؟ ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد. فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه، فرجع إلى أصحابه وقد أثّروا في وجهه، فقالوا: هذا الذي خشينا عليك. فقال: ما كان أعداء الله أهون عليّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينّهم بمثلها غدًا. قالوا: حسبك، قد أسمعتهم ما يكرهون. هذه القصة من رواية ابن إسحاق دون إسناد صحيح متصل، فهي مشهورة في كتب السير لا ثابتة في الصحيح.

من القراء والعلماء

ثبت في صحيح البخاري ومسلم قول النبي ﷺ: خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب. وبدأ بابن مسعود.

وفي صحيح البخاري عنه قال: والله لقد أخذت من فيّ رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة، ولقد علم أصحاب النبي ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم، ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه.

وفي البخاري ومسلم عنه قال: قال لي النبي ﷺ: اقرأ علي. قلت: أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت سورة النساء حتى بلغت: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾ قال: أمسك. فإذا عيناه تذرفان. وهذا من أشهر مواقفه.

وروى أحمد وابن ماجه أن النبي ﷺ قال: من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد. وقد صححه جماعة من المحققين.

وفي المسند عن علي رضي الله عنه أن ابن مسعود صعد شجرة فكشفت الريح عن ساقيه فضحك الصحابة من دقة ساقيه، فقال النبي ﷺ: مم تضحكون؟ لرجلُ عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد. ورواه أحمد بإسناد حسن عند جماعة.

مواقف الشجاعة: بدر

في صحيح البخاري عن أنس أن ابن مسعود وجد أبا جهل يوم بدر وبه رمق، فأخذ بلحيته وقال: آنت أبا جهل؟ قال: وهل فوق رجل قتلتموه؟ أو قال: قتله قومه. وفي رواية أنه قال له: أنت أبو جهل؟ ثم قتله، وفي المسند أنه أتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: آلله الذي لا إله إلا هو؟ فحلف، فقال النبي ﷺ: الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده. وهذا ثابت من حيث الأصل في الصحيح، وما زاد في تفاصيله من سيف دفعه إليه النبي ﷺ فيه كلام وضعف عند أبي داود وغيره، فلا نجزم به.

وفي صحيح مسلم مما يتعلق بليلة الجن أن علقمة سأل ابن مسعود: هل شهد أحد منكم ليلة الجن مع رسول الله ﷺ؟ فقال: ما شهدها منا أحد، ولكننا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: اغتيل أو استُطير. فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قِبَل حراء، فذكرنا له، فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن. وبهذا الحديث بيان تحرّي ابن مسعود وعدم توسعه فيما لم يشهده.

الورع والاتباع

ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن عثمان رضي الله عنه صلى بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لابن مسعود فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعتين متقبلتين. وفي رواية أنه صلى بعد ذلك أربعًا، فلما سئل قال: الخلاف شر. وهذا يبيّن أدبه مع الإمام وحرصه على الجماعة.

معلم الكوفة

أرسله عمر رضي الله عنه إلى الكوفة معلمًا، وتذكر كتب الطبقات أنه كتب إلى أهلها: إني قد بعثت إليكم عمارًا أميرًا وعبد الله معلمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ، فاقتدوا بهما. وهذه الرسالة نقلها ابن سعد، وفي إسنادها كلام. وروى عنه كثير من التابعين كعلقمة والأسود، وصار الفقه الكوفي ينتسب إلى مدرسته، ولا يزال أثره في الفقه.

وتذكر كتب التاريخ أنه كان في خلافة عثمان خلاف في أمر المصاحف حين جمع عثمان الناس على مصحف واحد، وأمر بحرق ما سواه، وكره ابن مسعود ذلك في أول الأمر. وهذه الأخبار مأخوذة من روايات في مصنفات المصاحف وفي إسنادها اختلاف، والثابت في صحيح البخاري أن جمع المصحف في عهد عثمان كان بتكليف زيد بن ثابت ومعه نفر من قريش، ولم يرد في الصحيح نص على خلاف ابن مسعود. فنكتفي بهذا القدر ولا ندخل في الفتنة.

الوفاة

توفي ابن مسعود في المدينة سنة اثنتين وثلاثين، وكان قد قارب الستين، ودُفن بالبقيع على المشهور. وتذكر كتب الطبقات أن عثمان عاده في مرضه، فسأله: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي. قال: ألا أدعو لك الطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني. وهذا مشهور في الطبقات وإسناده فيه ضعف، وإن كان في معناه موافقًا لحال الصالحين.

عاش ابن مسعود في سيرة بدأت برعي الغنم وانتهت بإمامة العلم، وهذا شاهد على أن الله يرفع من يشاء بالإيمان والتعلم.

العبرة

العلم يرفع صاحبه ولو كان فقيرًا، والتواضع مع العلم من أعظم الصفات. والأدب مع أولي الأمر وترك الخلاف أولى ما لم يكن في معصية.

المصدر: مسند أحمد (قصة الغنم مع عقبة بن أبي معيط)؛ سيرة ابن إسحاق (الجهر بالقرآن)؛ صحيح البخاري ومسلم: خذوا القرآن من أربعة؛ صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن، القراء من أصحاب النبي (أخذت من فيه بضعًا وسبعين سورة)؛ صحيح البخاري ومسلم: اقرأ علي، تفسير سورة النساء؛ مسند أحمد وسنن ابن ماجه: فليقرأه على قراءة ابن أم عبد؛ صحيح البخاري: كتاب المغازي، قتل أبي جهل؛ صحيح مسلم: كتاب الصلاة، ليلة الجن؛ سنن أبي داود: كتاب المناسك (صلاة عثمان بمنى)؛ طبقات ابن سعد.

الدرجة: ثابت في الصحيحين: خذوا القرآن من أربعة، وأخذت من فيه بضعًا وسبعين سورة، واقرأ علي، وقتل أبي جهل، وليلة الجن. وحديث الغنم وثقل ساقيه وقراءة ابن أم عبد في المسند وسنن ابن ماجه وصححها أو حسّنها كثير من المحققين. وحديث صلاة عثمان بمنى صحيح الإسناد عند أبي داود. أما الجهر بالقرآن عند المقام وكتاب عمر إلى أهل الكوفة وحديث مرضه فمن كتب السير والطبقات وفيها ضعف أو انقطاع، وخبر خلافه مع عثمان في المصاحف لم يثبت بإسناد صحيح، ونُبّه على ذلك في النص.