Islamic MixIslamic Mix
‹ سير كبار الصحابة
سير كبار الصحابةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

عمار بن ياسر رضي الله عنه: من آل ياسر إلى صفّين سيرة مجاهد صابر

عمار بن ياسر رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

بيت ياسر

عمار بن ياسر العنسي المذحجي رضي الله عنه، أبو اليقظان، من أسرة جاءت من اليمن واستقرت في مكة حليفة لبني مخزوم. وأبوه ياسر وأمه سمية رضي الله عنهما. وتذكر كتب السير أن ياسرًا قدم مكة يطلب أخًا له، فبقي فيها وحالف أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي، وزوّجه أبو حذيفة أمَةً له هي سمية، فولدت عمارًا، فأعتقه أبو حذيفة. وهذا النسق مشهور في كتب الطبقات والتراجم، لا في الصحيح، ولا ينبني عليه حكم.

وروى الإمام أحمد وابن ماجه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وعمار وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالًا، فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحدٌ أحد. والحديث حسّنه المحققون.

العذاب والصبر

وكان آل ياسر ممن عُذّبوا. ويروي ابن سعد في الطبقات أن المشركين كانوا يخرجونهم إلى الأبطح في رمضاء مكة فيعذبونهم، ويمر بهم النبي ﷺ فيقول: صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة. وهذا الحديث رواه ابن سعد والحاكم وغيرهما بإسناد مرسل وبمجموع الطرق حسّنه الألباني. وتذكر كتب السير أن سمية بنت خياط قُتلت على يد أبي جهل طعنها بحربة، فكانت أول شهيدة في الإسلام، وأن ياسرًا مات في العذاب. وهذا مشهور في السير ولا يثبت بإسناد صحيح متصل، وإن كان كثير من العلماء يعتمدونه.

آية الإكراه

ذكر المفسرون، ومنهم الطبري وابن كثير، أن قوله تعالى في سورة النحل: ﴿إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ نزل في عمار بن ياسر رضي الله عنه حين أكرهه المشركون على سب النبي ﷺ والكفر، فأعطاهم ما أرادوا بلسانه، فأخبر النبي ﷺ عن ذلك وسأله: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنًا بالإيمان. فقال: إن عادوا فعُد. وهذا الأثر رواه الطبري والحاكم من حديث ابن عباس ومن مرسل أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه، وهو مرسل في طرقه المشهورة، لكن المفسرين تلقّوه بالقبول لشهرته. فالمعنى أن الإكراه الحقيقي مع طمأنينة القلب لا يخرج صاحبه من الإيمان.

مكانته عند النبي ﷺ

روى الترمذي وابن ماجه أن عمارًا استأذن على النبي ﷺ، فقال: ائذنوا له، مرحبًا بالطيب المطيب. وهو حديث صححه الألباني وحسّنه الترمذي.

وروى النسائي وابن ماجه عن علي وعن غيره أن النبي ﷺ قال: إن عمارًا ملئ إيمانًا إلى مشاشه. والمشاش رؤوس العظام، فهو وصف لتمكن الإيمان منه.

وفي المسند وغيره أن خالد بن الوليد كان بينه وبين عمار شيء، فشكاه عمار إلى النبي ﷺ فقال: من عادى عمارًا عاداه الله، ومن أبغض عمارًا أبغضه الله. وفي الرواية أن خالدًا سعى بعد ذلك في ترضيته. والحديث في المسند والنسائي، وصححه الألباني.

التيمم والمسجد

في صحيح البخاري ومسلم أن عمارًا قال لعمر رضي الله عنه: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصلِّ، وأما أنا فتمعكتُ فصليتُ، فذكرت للنبي ﷺ، فقال: إنما كان يكفيك هكذا، وضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه. وبهذا الحديث تعلّم المسلمون صفة التيمم.

وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي ﷺ فجعل ينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار. قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن.

وهذا الحديث من أعلام النبوة، فقد وقع ما أخبر به النبي ﷺ يوم صفين. وقد قال أهل السنة: إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان أقرب إلى الحق في تلك الفتنة، وإن معاوية ومن معه مجتهدون، وإن الواجب الإمساك عما شجر بين الصحابة وعدم الخوض فيه بما يؤدي إلى الطعن فيهم.

بعد النبي ﷺ

شهد عمار المشاهد كلها مع النبي ﷺ من بدر فما بعدها، وقاتل في اليمامة في خلافة أبي بكر، ثم ولّاه عمر الكوفة. وتذكر كتب الطبقات أن عمر كتب إلى أهل الكوفة: إني قد بعثت إليكم عمارًا أميرًا وابن مسعود معلمًا ووزيرًا، وكان عمار على الصلاة والحرب، وكان ابن مسعود على بيت المال والقضاء. ثم عُزل بعد مدة، ولا نجزم بتفاصيل سبب العزل.

وتذكر كتب التاريخ أن عثمان رضي الله عنه أرسله إلى مصر لتقصي الأخبار، ولا نخوض فيما رُوي بعد ذلك من أخبار متضاربة في أسانيدها.

صفين والوفاة

في وقعة صفين كان عمار مع علي رضي الله عنه، وقُتل رضي الله عنه سنة سبع وثلاثين، وهو ابن بضع وتسعين سنة بحسب ما يرويه ابن سعد، وفي سنه اختلاف. وتذكر كتب التاريخ أنه قال قبل قتاله: اليوم ألقى الأحبة، محمدًا وحزبه. وطلب شربة لبن فشربها، وقال: إن رسول الله ﷺ قال لي: إن آخر شرابك من الدنيا ضياح من لبن. وقد جاء ذكر هذا في المسند وغيره، وفي إسناده كلام، والقدر الثابت أن النبي ﷺ أخبر أن الفئة الباغية تقتله، وقد ثبت ذلك في الصحيح كما سبق.

ولما قُتل عمار ظهر بين الناس أثر الحديث، واستدل به من قال إن عمارًا كان في صف الحق. وفي كتب التاريخ أن عمرو بن العاص ومعاوية تأوّلا الحديث، فقالا إن الذي أخرجه هو من قتله، وهذا أيضًا مما فيه كلام، ولا يجوز أن نجعله مدخلًا للنيل من صحابي.

عاش عمار صابرًا مجاهدًا، ثابتًا على الحق منذ كان في مكة مستضعفًا حتى لقي ربه، وأثنى عليه النبي ﷺ وقال فيه ما قال.

العبرة

الصبر على الأذى في سبيل الله ثمنه الجنة، والدين يسر، والمكره على الكفر مع اطمئنان قلبه معذور. ومن علامات الإيمان الأدب مع الصحابة والإمساك عما شجر بينهم.

المصدر: مسند أحمد وسنن ابن ماجه: أول من أظهر إسلامه سبعة (حديث ابن مسعود)؛ طبقات ابن سعد؛ سيرة ابن إسحاق؛ تفسير الطبري وتفسير ابن كثير، سورة النحل (106)؛ المستدرك للحاكم؛ سنن الترمذي وابن ماجه: مرحبًا بالطيب المطيب؛ سنن النسائي وابن ماجه: ملئ إيمانًا إلى مشاشه؛ مسند أحمد وسنن النسائي: من عادى عمارًا؛ صحيح البخاري ومسلم: كتاب التيمم (حديث عمار)؛ صحيح البخاري: كتاب الصلاة، التعاون في بناء المسجد (تقتله الفئة الباغية)؛ صحيح مسلم: كتاب الفتن (تقتل عمارًا الفئة الباغية)؛ تاريخ الطبري.

الدرجة: ثابت في الصحيحين: قصة التيمم، وحديث تقتله الفئة الباغية. أما حديث مرحبًا بالطيب المطيب وملئ إيمانًا ومن عادى عمارًا فمن السنن والمسند وصححها أو حسّنها المحققون. وحديث أول من أظهر إسلامه سبعة حسّنه المحققون. وسبب نزول آية النحل مرسل في طرقه المشهورة وتلقاه المفسرون بالقبول. وحديث صبرًا آل ياسر مرسل في أصله ويحسّنه بعضهم بمجموع الطرق. وقصة استشهاد سمية على يد أبي جهل وأخبار ولايته وعزله وآخر شربة لبن فمن كتب السير والتاريخ وفي أسانيدها ضعف، ونُبّه عليها في النص.