Islamic MixIslamic Mix
‹ سير كبار الصحابة
سير كبار الصحابةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

بلال بن رباح رضي الله عنه: مؤذن الإسلام من أحدٌ أحد إلى دمشق

بلال بن رباح رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

عبد حبشي في مكة

بلال بن رباح رضي الله عنه حبشي الأصل، نشأ في مكة مملوكًا لبني جُمَح، ويُذكر أنه كان مملوكًا لأمية بن خلف، وأمه حمامة. وهذا مشهور في كتب السير والطبقات، منها سيرة ابن إسحاق وطبقات ابن سعد. وكان من أوائل من أسلم، وقد روى أحمد وابن ماجه عن عبد الله بن مسعود أن من أول من أظهر إسلامه سبعة، وذكر منهم بلالًا. وقال ابن مسعود إن المشركين أخذوا غير النبي ﷺ وأبي بكر فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، وإن بلالًا هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحدٌ أحد. وهذا الحديث حسّنه المحققون.

العذاب والعتق

وتروي كتب السير، كسيرة ابن إسحاق، أن أمية بن خلف كان يخرج بلالًا إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، فيقول وهو في ذلك: أحدٌ أحد. وهذه الرواية في كتب السير بإسناد فيه ضعف، لكن أصل تعذيبه وقوله أحد أحد ثابت في حديث ابن مسعود المتقدم.

وثبت في صحيح البخاري عن عمر رضي الله عنه أنه قال: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، يعني بلالًا. وتذكر كتب السير أن أبا بكر اشتراه من أمية بن خلف فأعتقه، وذكر المفسرون أن آيات من سورة الليل نزلت في ذلك. فتفصيل الشراء ونزول الآيات في كتب السير والتفسير ولا يثبت منها إسناد قوي، لكن عتق أبي بكر لبلال ثابت بقول عمر في الصحيح.

أول مؤذن

في صحيح البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس يُنادى لها، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود. فقال عمر: أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: يا بلال، قم فناد بالصلاة.

وروى أبو داود والترمذي عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه أنه رأى في المنام الأذان، فأخبر النبي ﷺ، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقِ عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتًا منك. فلما سمع عمر النداء خرج يجر رداءه وقال: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى. فقال: فلله الحمد. وحسّن الترمذي الحديث وصححه بعض أهل العلم.

وبقي بلال مؤذن النبي ﷺ. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. أي أن الأذان في آخر الليل كان من بلال، والأذان الأخير لابن أم مكتوم.

دفّ نعليك في الجنة

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دفّ نعليك بين يدي في الجنة. قال: ما عملت عملًا أرجى عندي من أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كُتب لي أن أصلي. وهذا الحديث في أصح الكتب، وفيه فضل الوضوء والمحافظة على صلاة بعده.

تمر بلال

وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: جاء بلال بتمر برني، فقال له النبي ﷺ: من أين هذا؟ قال: كان عندنا تمر رديء، فبعت منه صاعين بصاع ليُطعم النبي ﷺ. فقال النبي ﷺ: أوّه، عين الربا، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به. وفيه تعليم عملي لأحكام الربا.

دخول الكعبة

في صحيح البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: دخل رسول الله ﷺ الكعبة وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحَجَبي، فأغلقوها عليهم، فلما فتحوا كنت أول من ولج، فلقيت بلالًا فسألته: هل صلى فيه رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، بين العمودين اليمانيين. وفي هذا الحديث تأكيد على مكانة بلال في الفتح.

وتذكر كتب السير أن بلالًا صعد ظهر الكعبة يوم الفتح فأذّن، وهذا مشهور في السيرة، وفي أسانيده ضعف، فلا نبني عليه شيئًا أكثر من أصل الحادثة.

بعد النبي ﷺ

بعد وفاة النبي ﷺ، تذكر كتب الطبقات أن بلالًا ترك الأذان واتجه إلى الجهاد في الشام، وأن أبا بكر طلب منه أن يبقى فذكّره بعتقه، فقال: إن كنت أعتقتني لله فدعني أذهب إلى الله، وإن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني. فقال: بل أعتقتك لله. فذهب. وهذه القصة مشهورة في كتب السير، وإسنادها لا يخلو من ضعف.

وتذكر بعض كتب التاريخ أن عمر لما قدم الشام أذّن بلال في وقت صلاة فبكى الناس، خصوصًا من عاصروا النبي ﷺ. وقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق قصة رؤيا رآها بلال، يرى فيها النبي ﷺ يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني؟ فركب إلى المدينة فأذّن، وبكى الناس. والقصة ضعيفة الإسناد عند أهل الحديث كما بيّن ابن حجر وغيره، فلا يجوز نسبتها إلى رسول الله ﷺ.

الوفاة

توفي بلال في الشام، في دمشق أو حلب، في حدود سنة عشرين من الهجرة على اختلاف في ذلك، وقيل غير ذلك. وتروي كتب الطبقات أنه قال في مرضه: غدًا نلقى الأحبة، محمدًا وحزبه. والخبر مشهور وفي إسناده كلام.

كان بلال أول من نادى بالأذان في الإسلام، وأسلم وصبر في الشدة، وما زال اسمه مقترنًا بنداء الصلاة.

العبرة

العزة بالإيمان لا بالنسب واللون. والثبات على التوحيد عند أشد الأذى سبيل إلى أعلى المنازل، ومحافظة العبد على الطهارة والصلاة سبب لبلوغ الدرجات.

المصدر: مسند أحمد وسنن ابن ماجه: أول من أظهر إسلامه سبعة (ابن مسعود)؛ سيرة ابن إسحاق؛ طبقات ابن سعد؛ صحيح البخاري: كتاب مناقب الأنصار، باب مناقب بلال (أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا)؛ صحيح البخاري ومسلم: كتاب الأذان (حديث ابن عمر)؛ سنن أبي داود وسنن الترمذي: رؤيا عبد الله بن زيد؛ صحيح البخاري ومسلم: دفّ نعليك في الجنة؛ صحيح البخاري ومسلم: تمر برني وعين الربا؛ صحيح البخاري ومسلم: دخول الكعبة؛ تاريخ دمشق لابن عساكر؛ فتح الباري لابن حجر.

الدرجة: ثابت في الصحيحين: عتق أبي بكر له، وبدء الأذان، ودفّ نعليك في الجنة، وتمر برني، ودخوله الكعبة مع النبي ﷺ. وحديث رؤيا عبد الله بن زيد حسّنه الترمذي، وحديث ابن مسعود حسّنه المحققون. أما تفصيل تعذيبه بالصخرة وثمن شرائه وأذانه على الكعبة وقصة رؤياه وزيارته المدينة وكلمته عند الموت فمن كتب السير والتاريخ، وبعضها ضعيف الإسناد، وقد نُبّه عليه في النص.