Islamic MixIslamic Mix
‹ سير كبار الصحابة
سير كبار الصحابةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

خباب بن الأرت رضي الله عنه: الحداد الصابر من مكة إلى الكوفة

خباب بن الأرت رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

حداد في مكة

خباب بن الأرت التميمي رضي الله عنه، يكنى أبا عبد الله، ويقال إنه من بني سعد بن زيد مناة من تميم، وقع في الأسر صغيرًا فبيع في مكة، فصار مملوكًا لامرأة من خزاعة هي أم أنمار بنت سباع بحسب ما تذكر كتب الطبقات. وكان حدادًا يصنع السيوف. وهذه التفاصيل النسبية مأخوذة من الطبقات، وليس فيها حديث صحيح، لكن كونه حدادًا ثابت في الصحيحين كما سيأتي. وقد أسلم في أول الإسلام، وتذكر كتب السير أنه من أوائل من أسلم، قيل سادس ستة.

العذاب

كان خباب ممن عُذّب في الله، وتصف الطبقات أن سيدته أم أنمار كانت تأخذ حديدة محماة فتضعها على رأسه، وأن المشركين كانوا يجرّونه على الجمر. وروى ابن سعد وغيره أن عمر رضي الله عنه سأله في خلافته عن عذابه، فأراه ظهره، فقال عمر: ما رأيت كاليوم ظهر رجل. فقال خباب: لقد أُوقدت لي نار وسُحبت عليها فما أطفأها إلا ودك ظهري. وهذه الرواية مشهورة في الطبقات، وإسنادها ضعفه بعضهم وحسّنه آخرون بالشواهد، فهي مما يُروى بالتحفظ.

الشكوى والجواب: لكنكم تستعجلون

في صحيح البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيه، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُشقّ باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه. والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون.

وهذا الحديث من أشهر ما روى خباب، وفيه أن النبي ﷺ لم يرد عليهم بدعاء ينهي الأذى فورًا، بل ذكّرهم بسنة الله في الأمم السابقة، وبشرهم بأن الأمر سيتم.

الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي

روى ابن ماجه في سننه عن خباب قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدا رسول الله ﷺ مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدًا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقّروهم، فأتوه فخلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسًا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: نعم. قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتابًا. فدعا بصحيفة ودعا عليًّا ليكتب ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ إلى قوله: ﴿فتكون من الظالمين﴾. فرمى رسول الله ﷺ الصحيفة ثم دعانا فأتيناه. وفي الحديث سند حسّنه بعض المحققين، وسبب النزول هنا مختلف فيه، إذ جاء في صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص أن الآية نزلت في ستة من أصحاب النبي ﷺ، ولا تعارض، فقد تتعدد الروايات في سبب نزول الآية الواحدة.

الحداد والدَّين

وفي صحيح البخاري ومسلم عن خباب قال: كنت قينًا في الجاهلية، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد ﷺ حتى يميتك الله ثم يبعثك. قال: فدعني حتى أموت ثم أُبعث فسوف أوتى مالًا وولدًا فأقضيك. فنزلت: ﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتينّ مالًا وولدًا﴾ إلى قوله: ﴿ونرثه ما يقول ويأتينا فردًا﴾ في سورة مريم. وفي هذه القصة بيان لجرأة خباب في الحق وصبره على أذى المشركين.

الصبر على الفقر ثم الغنى

شهد خباب بدرًا وما بعدها، كما تذكر كتب الطبقات. وفي صحيح البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: أتينا خبابًا نعوده وقد اكتوى سبع كيّات في بطنه، فقال: لولا أن النبي ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به. وقال: إن أصحابنا الذين مضوا لم تنقصهم الدنيا شيئًا، وإنا أصبنا من الدنيا ما لا نجد له موضعًا إلا التراب. ومرة أخرى رأيناه يبني حائطًا له فقال: إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب.

وروى البخاري ومسلم عن خباب في حديث مصعب بن عمير أنه قال: هاجرنا نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئًا، ومنهم من أينعت له ثمرته فهو يهدبها.

علاقته بعمر

اشتهر في سيرة ابن إسحاق أن عمر بن الخطاب حين خرج غاضبًا ليقتل النبي ﷺ علم أن أخته فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد أسلما، فجاء بيتهما فوجد خبابًا عندهما يقرئهما سورة طه، فاختبأ خباب، ثم تأثر عمر بالقرآن فأسلم. وهذه القصة مشهورة، رواها ابن إسحاق، وروى الدارقطني والبيهقي نحوها، وطرقها لا تخلو من ضعف أو انقطاع، فلا نجزم بتفاصيلها، وإن كان أصل إسلام عمر بعد دعاء النبي ﷺ ثابتًا في الجملة.

الوفاة

توفي خباب رضي الله عنه في الكوفة سنة سبع وثلاثين من الهجرة، وهو ابن بضع وسبعين سنة، وهو أول من دُفن بظهر الكوفة من الصحابة بحسب ما يذكره ابن سعد. وقيل إن علي بن أبي طالب صلى عليه، وقال: رحم الله خبابًا، أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مجاهدًا، وابتُلي في جسمه، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملًا. وهذه المقالة من الطبقات ولم يصح إسنادها.

عاش خباب فتى مملوكًا يصنع السيوف، وصبر على العذاب حتى جاءه النصر، فكان درسًا لكل من يستعجل ثمرة الطاعة.

العبرة

سنة الله في أهل الإيمان الابتلاء ثم التمكين، ومن استعجل النصر نسي سنة من قبله. والغنى عند الصالح مخافة، والثبات على الحق وإن كثر الأذى.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (شكونا إلى رسول الله وهو متوسد بردة)؛ صحيح البخاري ومسلم: تفسير سورة مريم (حديث العاص بن وائل)؛ صحيح البخاري: كتاب المرضى (اكتوى سبع كيات)؛ سنن ابن ماجه: كتاب الزهد، باب مجالسة الفقراء؛ صحيح مسلم: فضائل سعد (نزول آية ولا تطرد)؛ سيرة ابن إسحاق (إسلام عمر)؛ طبقات ابن سعد.

الدرجة: الثابت في الصحيحين: شكوى خباب إلى النبي ﷺ والجواب، وقصة العاص بن وائل ونزول سورة مريم، وكلامه في مرضه. وحديث الأقرع وعيينة عند ابن ماجه حسّنه بعض المحققين. وتعذيبه بالجمر وكلام عمر له وإسلام عمر على يديه وقول علي رضي الله عنه فمن السير والطبقات وفي أسانيدها ضعف أو انقطاع، ونُبّه عليه في النص.