Islamic MixIslamic Mix
‹ سير كبار الصحابة
سير كبار الصحابةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

زيد بن حارثة رضي الله عنه: الصحابي الذي ذُكر اسمه في القرآن وأمير مؤتة

زيد بن حارثة رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

غلام من كلب

زيد بن حارثة الكلبي رضي الله عنه، حِبّ رسول الله ﷺ، من قبيلة كلب من قضاعة. وتذكر كتب السير أنه أُخذ صغيرًا في الجاهلية، فبيع في سوق عكاظ إلى حكيم بن حزام، فوهبه لعمته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فوهبته للنبي ﷺ بعد زواجها منه، فأعتقه وتبنّاه. وهذه التفاصيل مشهورة في كتب السير، كسيرة ابن إسحاق وطبقات ابن سعد، وأسانيدها لا تبلغ درجة الصحيح، لكنها مشتهرة عند العلماء.

أبوه يأتي لفدائه

وتروي كتب السير أن أباه حارثة بن شراحيل كان يبحث عنه، وأن أناسًا من قومه رأوه في الحج فعرفوه، فأخبروا أباه، فجاء هو وأخوه لفدائه، فقال النبي ﷺ: خيّروه، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدًا. فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني بمكان الأب والعم. فقال أبوه: ويحك يا زيد، أتختار العبودية على أبيك وعمك وأهل بيتك؟ قال: نعم، إني قد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا. فلما رأى النبي ﷺ ذلك أخرجه إلى الحِجر فقال: اشهدوا أن زيدًا ابني يرثني وأرثه. فطابت نفس أبيه وانصرف. وهذه القصة رواها ابن سعد والحاكم، وفيها ضعف في الإسناد، فهي من المشهور في السيرة. وهي تدل في المعنى على محبة زيد لرسول الله ﷺ، ولا يتوقف عليها أمر ثابت في الصحيح.

أول من أسلم من الموالي

كان زيد من أوائل من أسلم، ويقال إنه أول من أسلم من الموالي، وتذكر كتب السير أنه كان مع النبي ﷺ في رحلة الطائف، وأنه كان يقيه من الحجارة. وجاء أمر التبني، فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل في القرآن: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾. فصار يُدعى زيد بن حارثة. وفي سورة الأحزاب قال الله تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾.

زينب والقرآن

زيد هو الصحابي الوحيد الذي ذُكر اسمه صريحًا في القرآن، في قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها﴾. والسياق أن النبي ﷺ زوّج زيدًا ابنةَ عمته زينب بنت جحش رضي الله عنها، وقد كرهت هي وأخوها عبد الله بن جحش في أول الأمر، فنزلت الآية: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾، فرضيا وسلّما. ثم لم يستمر الزواج، وكان زيد يشكو إلى النبي ﷺ من زينب، فكان النبي ﷺ يقول له: أمسك عليك زوجك واتق الله.

وروى مسلم عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: فاذكرها عليّ. قال زيد: فانطلقت، فقلت: يا زينب، أبشري، أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أؤامر ربي. فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن. وفي رواية البخاري عن أنس: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي ﷺ، تقول: زوّجكن أهاليكن وزوّجني الله من فوق سبع سماوات.

أما ما يُروى من قصص تقول إن النبي ﷺ رأى زينب فأعجبته وأخفى ذلك في نفسه، فقد أنكره المحققون من أهل التفسير، ومنهم ابن كثير وابن العربي، ووصفوه بأنه من الأخبار التي لا تصح. والذي ذكره ابن كثير وابن حجر أن الله أخبره أن زينب ستكون زوجته، فأخفى ذلك خشية كلام الناس، لأن زواجها من مطلّقة ابن متبنّى كان أمرًا مستنكرًا عند العرب، وأراد الله أن يقطع ذلك. وبهذا يُقرأ قوله تعالى: ﴿وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾.

مكانته عند النبي ﷺ

روى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمّره عليهم، ولو بقي بعده لاستخلفه. وصححه بعض المحققين وحسّنه آخرون.

وفي الصحيحين قال النبي ﷺ لزيد في قصة ابنة حمزة في عمرة القضاء حين تنازع علي وجعفر وزيد في كفالتها: أنت أخونا ومولانا. وفي الصحيحين أيضًا أن النبي ﷺ قال عن ابنه أسامة: وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده. أي أنه كان محبوبًا كأبيه.

الغزوات والقيادة

شهد زيد بدرًا وأحدًا والخندق والحديبية وخيبر، ثم أُرسل أميرًا على عدد من السرايا، ومنها سرية القَرَدة، وسرية الجُموم، وسرية الطرف، وسرية حسمى، وسرية وادي القرى. هذه السرايا مذكورة في كتب المغازي كابن سعد، وبعض تواريخها مختلف فيه. وأما الثابت في الصحيح فهو إمارته على جيش مؤتة.

مؤتة

روى البخاري عن ابن عمر قال: أمّر رسول الله ﷺ في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله ﷺ: إن قُتل زيد فجعفر، وإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحة. وتذكر كتب المغازي أن الجيش كان نحو ثلاثة آلاف، وأنهم لقوا جموع الروم. وتقول كتب المغازي إن زيدًا أخذ الراية وقاتل حتى قُتل، وكان عمره نحو خمس وخمسين، والله أعلم.

وفي البخاري أن النبي ﷺ نعاهم للناس وعيناه تذرفان، وقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله. وتذكر كتب السير أن النبي ﷺ دخل على بنت زيد فبكى، فقيل له ما هذا؟ فقال: هذا بكاء الحبيب إلى حبيبه. وهذه القصة فيها ضعف، وليس لها إسناد صحيح متصل.

وبعد وفاة زيد بقي ابنه أسامة بن زيد رضي الله عنه محبوبًا عند النبي ﷺ، وأمّره النبي ﷺ على جيش في مرض موته، وهو في سن صغيرة، وفي ذلك دليل على وفاء النبي ﷺ لزيد وبرّه بولده.

العبرة

اختيار الإنسان الحق على الأهل والنسب شرف، والإسلام يرفع الموالي إلى القيادة. والتبني في الإسلام محرَّم على صورته الجاهلية، والنبي ﷺ أقام العدل في هذا الباب.

المصدر: سيرة ابن إسحاق وطبقات ابن سعد (قصة الفداء)؛ صحيح البخاري ومسلم: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد (حديث ابن عمر)؛ سورة الأحزاب (آيات 5 و36 و37 و40)؛ صحيح مسلم: كتاب النكاح، باب زواج زينب (حديث أنس)؛ صحيح البخاري: تفسير سورة الأحزاب، وكتاب التوحيد (زوّجكن أهاليكن)؛ مسند أحمد (حديث عائشة: لو بقي لاستخلفه)؛ صحيح البخاري ومسلم: عمرة القضاء وأنت أخونا ومولانا؛ صحيح البخاري: كتاب المغازي، غزوة مؤتة؛ تفسير ابن كثير؛ فتح الباري.

الدرجة: الثابت في القرآن والصحيحين: ذكر اسم زيد في سورة الأحزاب، وحديث ابن عمر في ترك التبني، وقصة زينب في صحيح مسلم، وأنت أخونا ومولانا، وإمارته يوم مؤتة. وحديث عائشة لو بقي لاستخلفه صححه بعضهم. أما قصة فداء أبيه ونسبه وسراياه وبكاء النبي ﷺ على ابنته فمن السير والطبقات بأسانيد ضعيفة أو لا تبلغ الصحيح، ونُبّه عليها في النص، ونُبّه أيضًا على أن القصة المنسوبة في إعجاب النبي ﷺ بزينب لا تصح.