ابن أبي طالب
جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي رضي الله عنه، ابن عم النبي ﷺ، وأخو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان أكبر منه بعشر سنين على ما تذكر كتب الطبقات. أسلم قديمًا، وكان من السابقين الأولين، وتزوج أسماء بنت عُميس رضي الله عنها، وهاجرا معًا. وقد عُرف في سيرته بثلاث مراحل: هجرة الحبشة، ثم الإقامة هناك مدة، ثم القدوم إلى المدينة واستشهاده في مؤتة.
هجرة الحبشة: بين يدي النجاشي
لما اشتد الأذى بالمسلمين في مكة أذن لهم النبي ﷺ بالهجرة إلى الحبشة، وقال إن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد. وكان جعفر من أبرز المهاجرين وأميرهم على ما تذكر كتب السير. فبعثت قريش عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليردّوا المسلمين.
والقصة رواها الإمام أحمد في المسند من حديث أم سلمة رضي الله عنها، ورواها ابن إسحاق، ووردت من حديث ابن مسعود أيضًا بسياق قريب. وقد حسّن إسنادها جماعة من المحققين. وفيها أن النجاشي استدعى المسلمين فسألهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم؟ فقال جعفر: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا، فلما قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك.
فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قال جعفر: نعم. فقال: فاقرأه عليّ. فقرأ عليه صدرًا من سورة مريم. فبكى النجاشي حتى اخضلّت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم. ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. انطلقوا، فوالله لا أسلمهم إليكم ولا يُكادون.
ثم عاد عمرو من الغد ليوقع بهم عنده، وقال: إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا. فأرسل إليهم يسألهم، فقال جعفر: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا ﷺ: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فأخذ النجاشي عودًا من الأرض وقال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلتَ هذا العود. فأقرّهم وردّ الهدايا.
القدوم على النبي ﷺ
بقي جعفر في الحبشة حتى فتح الله خيبر، وقدم المدينة. وتذكر كتب السير أن النبي ﷺ قال: ما أدري بأيهما أنا أسر، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟ وهذا الحديث رواه الطبراني والحاكم والبيهقي بأسانيد فيها ضعف، وقد حسّنه بعضهم بالشواهد. وتذكر الروايات أن النبي ﷺ قبّل بين عينيه، وهذا مروي مرسلًا. فنذكره بصيغة التمريض.
أبو المساكين
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العُكّة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها. وكان النبي ﷺ يُلقّبه أبا المساكين. والحديث ثابت في الصحيح، وأما اللقب فجاء في بعض الروايات.
أشبهت خَلقي وخُلُقي
وفي صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب في عمرة القضاء قال النبي ﷺ لجعفر: أشبهت خَلقي وخُلقي. فحجل جعفر فرحًا، وفي الحديث أن النبي ﷺ قضى بحضانة ابنة حمزة لخالتها، وهي زوجة جعفر أسماء بنت عميس، وقال: الخالة بمنزلة الأم.
مؤتة: ثلاثة قواد
روى البخاري عن ابن عمر أن النبي ﷺ أمّر في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال: إن قُتل زيد فجعفر، وإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحة. قال ابن عمر: فكنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية. وفي رواية أخرى أنه لم يكن منها شيء في دبره، أي كان يقاتل مقبلًا غير مدبر.
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أيضًا أنه كان إذا سلّم على ابن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين. وقد روى الترمذي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: رأيت جعفرًا يطير في الجنة مع الملائكة. وصححه الألباني.
وتذكر كتب السير، كسيرة ابن إسحاق، أن جعفرًا أخذ الراية بيمينه فقُطعت، فأخذها بيساره فقُطعت، فاحتضنها بعضديه حتى قُتل، وأن الله عوّضه جناحين. وهذا الذكر في كتب السير ولا يثبت بسند صحيح، وإن كان معنى الجناحين ثابتًا في الحديث بصفة أخرى. كما تنسب كتب السير إليه أبياتًا قبل أن يُقتل، نحو: يا حبّذا الجنة واقترابها. ولا يثبت إسناد ذلك.
بعد استشهاده
روى أحمد وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن جعفر أنه لما جاء نعي جعفر قال النبي ﷺ: اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فإنه قد جاءهم ما يشغلهم. وحسّنه الترمذي وصححه الألباني. وفي الأحاديث أن النبي ﷺ ذهب إلى بيت جعفر فرأى أسماء فأمرها بالصبر، وأتى بأبنائه فمسح رؤوسهم، ودعا لهم.
وتزوجت أسماء بعد ذلك أبا بكر ثم عليًّا رضي الله عنهم، كما تذكر كتب الطبقات.
كانت حياة جعفر بين الدعوة في الحبشة، والعطاء للمساكين في المدينة، والجهاد في مؤتة، وقد ختمها الله بالشهادة.
