Islamic MixIslamic Mix
‹ سير كبار الصحابة
سير كبار الصحابةمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه: أسد الله وسيد الشهداء من إسلام الغضبة إلى أحد

حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

العم والأخ من الرضاعة

حمزة بن عبد المطلب القرشي الهاشمي رضي الله عنه، عم النبي ﷺ، وكان قريبًا منه في السن، وتذكر كتب السير أنه رضيع النبي ﷺ من ثويبة مولاة أبي لهب. وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ لما قيل له: ألا تتزوج ابنة حمزة؟ قال: إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب. فالرضاعة بين النبي ﷺ وحمزة ثابتة بهذا الحديث.

وكان حمزة من فتيان قريش الأقوياء، يحب الصيد والرماية. ويُنسب إليه لقبا أسد الله وأسد رسوله، ورواهما الطبراني والحاكم وغيرهما، وفي إسنادهما ضعف عند جماعة، فنذكرهما على سبيل الشهرة.

إسلامه: غضبة لابن أخيه

تروي كتب السير، ومنها سيرة ابن إسحاق، أن أبا جهل مرّ بالنبي ﷺ عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه، والنبي ﷺ ساكت لا يكلمه، ثم ضربه أبو جهل بحجر في رأسه فشجّه، وانصرف إلى نادي قريش عند الكعبة. وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها على الصفا ترى ذلك. ثم أقبل حمزة من القنص متوشحًا قوسه، فأخبرته المولاة بما صنع أبو جهل بابن أخيه، فغضب، وخرج يسعى حتى دخل المسجد، فرأى أبا جهل جالسًا في القوم، فضربه بالقوس فشجّه شجة منكرة، وقال: أتشتمه؟ فأنا على دينه أقول ما يقول، فردّ ذلك عليّ إن استطعت. فقام رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني والله قد سببت ابن أخيه سبًّا قبيحًا.

وهذه القصة مشهورة في كتب السير، وإسنادها ضعيف أو منقطع، فنرويها على أنها من المشهور. وتزيد بعض الروايات أن حمزة بقي بعد ذلك متحيرًا في أمره، وأنه سأل الله أن يهديه، وأن النبي ﷺ حدثه فاطمأن قلبه، رواه الحاكم وفي إسناده ضعف. والذي لا شك فيه أنه أسلم، وأن إسلامه كان عزًّا للمسلمين في مكة، وأن قريشًا عرفت أن النبي ﷺ قد امتنع.

بدر: المبارزة

ثبت في الصحيحين، وفي سنن أبي داود، أن المشركين في بدر خرج منهم عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد، فدعوا إلى المبارزة، فخرج لهم ثلاثة من الأنصار، فقالوا: لا نريدكم، ولكن نريد أكفاءنا من قومنا. فقال النبي ﷺ: قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث. فأما حمزة فبارز شيبة، وبارز علي الوليد، وبارز عبيدة عتبة. وفي رواية أبي داود عن علي أن حمزة قتل شيبة، وعليًّا قتل الوليد، واختلف عبيدة وعتبة بضربتين فأثخن كل منهما صاحبه، فمال حمزة وعلي على عتبة فقتلاه، واحتملا صاحبهما عبيدة. وروى البخاري عن علي أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، وقال قيس بن عباد: وفيهم نزلت: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾، قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة، وشيبة وعتبة والوليد.

وتذكر كتب السير أن حمزة كان معلِمًا في الحرب بريشة نعامة على صدره، وأنه كان من أشد المقاتلين في بدر. وهذا من أخبار ابن إسحاق، لا من الصحيح.

أحد وقاتل حمزة

في أحد قاتل حمزة قتالًا شديدًا، وتذكر كتب السير أنه كان يقاتل بسيفين ويقول: أنا أسد الله. وجاء في الصحيح خبر مقتله في حديث وحشي بن حرب رضي الله عنه الذي رواه البخاري. قال وحشي: كنت غلامًا لجبير بن مطعم، وكان عمه طعيمة بن عدي قد قُتل ببدر، فقال لي جبير: إن قتلت حمزة عم محمد فأنت عتيق. فخرجت مع الناس يوم أحد، وكنت رجلًا حبشيًّا أقذف بالحربة قذف الحبشة قلّما أخطئ شيئًا. فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة، فرأيته في عُرض الناس مثل الجمل الأورق يهدّ الناس بسيفه هدًّا ما يقوم له شيء، فتهيأت له، فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنّته حتى خرجت من بين رجليه، فأقبل نحوي فغُلب فمات. فأخذت حربتي ثم رجعت إلى العسكر فقعدت فيه ولم يكن لي بغيره حاجة، وإنما قتلته لأعتق. فلما قدمت مكة عُتقتُ.

وهذا من أصح ما ورد في مقتله. وأما تمثيل هند بنت عتبة بجثته وأخذها كبده، فذكره ابن إسحاق وغيره من أهل السير، وفي أسانيده ضعف، فلا نجزم بتفاصيله، وما ذُكر من أنها صنعت قلائد من أذنه وأنفه لا يثبت بإسناد صحيح.

موقف النبي ﷺ

وتذكر كتب السير أن النبي ﷺ وقف على حمزة فرأى ما به من المثلة، فقال: لن أُصاب بمثلك أبدًا، ما وقفت موقفًا قط أغيظ إليّ من هذا. وأنه قال: لئن أظفرني الله بقريش لأمثلنّ بثلاثين رجلًا منهم. فنزل قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾، فعفا وصبر. رواه الترمذي وأحمد من حديث أبي بن كعب، وفي إسناده ضعف، ولكن ما نزل في سورة النحل مشهور في التفسير.

وتذكر الروايات أن صفية بنت عبد المطلب، أخت حمزة، جاءت لتراه، فأمر النبي ﷺ ابنها الزبير أن يردها حتى لا ترى ما به، فقالت: قد بلغني أنه مُثّل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرنّ إن شاء الله. فتركها، فنظرت إليه وصلّت عليه واسترجعت واستغفرت له. وهذا من أخبار ابن إسحاق، وليس له إسناد صحيح.

وروى أحمد وابن ماجه أن النبي ﷺ سمع نساء الأنصار يبكين على قتلاهم، فقال: لكن حمزة لا بواكي له. فجئن يبكين حمزة، فقال: ويحهنّ ما برحن يبكين منذ اليوم، مُرُوهنّ فلينصرفن ولا يبكين على هالك بعد اليوم. وحسّن إسناده بعض أهل العلم.

دفنه

دُفن حمزة في أحد، ومعه عبد الله بن جحش في قبر واحد على ما تذكره كتب السير. وفي صحيح البخاري أن شهداء أحد كانوا يُدفن الرجلان والثلاثة في القبر الواحد، وأن النبي ﷺ كان يسأل: أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فيقدمه في اللحد. وقد صلى عليه النبي ﷺ فيما تذكر كتب السير عدة مرات، وهذا فيه خلاف وضعف.

وروى الحاكم بإسناد حسّنه أهل العلم أن النبي ﷺ قال: سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله. وهو من أحسن ما ورد في فضله.

حمزة ووحشي

وقد أسلم وحشي بعد ذلك وجاء إلى النبي ﷺ، فقال له: أنت وحشي؟ قال: نعم. قال: غيّب وجهك عني. وقتل مسيلمة الكذاب باليمامة بتلك الحربة، فقال: قتلت خير الناس وشر الناس. والقصة في صحيح البخاري، وفيها بيان سعة رحمة الله.

العبرة

الغضب للحق ونصرة المظلوم من شيم الكرام، والشهادة في سبيل الله تُخلّد ذكر صاحبها، وباب التوبة مفتوح حتى لمن أساء إساءة عظيمة قبل إسلامه.

المصدر: صحيح البخاري ومسلم: كتاب النكاح (ابنة حمزة ابنة أخي من الرضاعة)؛ سيرة ابن إسحاق (إسلام حمزة ومقتله)؛ المستدرك للحاكم؛ صحيح البخاري: كتاب المغازي، قتل حمزة (حديث وحشي)؛ صحيح البخاري: تفسير سورة الحج، وكتاب المغازي (المبارزة يوم بدر، هذان خصمان)؛ سنن أبي داود: كتاب الجهاد (المبارزة)؛ سنن الترمذي ومسند أحمد (آية النحل)؛ مسند أحمد وسنن ابن ماجه (لكن حمزة لا بواكي له)؛ صحيح البخاري: كتاب الجنائز (دفن شهداء أحد)؛ سورة الحج، سورة النحل.

الدرجة: الثابت في الصحيحين: رضاعته مع النبي ﷺ، ومبارزته في بدر ونزول هذان خصمان، وحديث وحشي في مقتله. حديث سيد الشهداء حمزة حسّنه بعض أهل العلم، وحديث لا بواكي له حسّنه بعضهم. أما قصة إسلام حمزة بعد شج أبي جهل، وخبر وقوف النبي ﷺ على جثمانه وكلمته، وموقف صفية، وتمثيل هند فمن السير وهي ضعيفة أو منقطعة الإسناد ونُبّه عليها في النص.