Islamic MixIslamic Mix
‹ سير كبار الصحابة
سير كبار الصحابةمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

عمرو بن العاص رضي الله عنه: من سفير قريش إلى فاتح مصر

عمرو بن العاص رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

داهية قريش

عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي رضي الله عنه، أحد دهاة العرب المعروفين بالرأي والتدبير، وكان قبل إسلامه من خصوم النبي ﷺ. وتذكر كتب السير أنه كان من الذين أرسلتهم قريش إلى النجاشي في الحبشة ليردّ المسلمين المهاجرين، وقد أخفق في ذلك، كما جاء في حديث أم سلمة عند الإمام أحمد، وفيه أن النجاشي ردّ هديتهم وأقرّ جعفر بن أبي طالب ومن معه.

إسلامه: ما رواه عن نفسه

ثبت في صحيح مسلم عن ابن شماسة المهري قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فبكى طويلًا وحوّل وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه، أما بشّرك رسول الله ﷺ بكذا؟ أما بشّرك رسول الله ﷺ بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما نعدّ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، إني كنت على أطباق ثلاث: لقد رأيتني وما أحد أشد بغضًا لرسول الله ﷺ مني، ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار. فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك. فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي. قال: ما لك يا عمرو؟ قال: قلت: أردت أن أشترط. قال: تشترط بماذا؟ قلت: أن يُغفر لي. قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه. ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة. ثم وُلّينا أشياء ما أدري ما حالي فيها. فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنّوا عليّ التراب شنًّا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تُنحر جزور ويُقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي.

وهذا أصح ما ورد في حاله، وهو يدلنا على صدقه في الندم وصدق إسلامه.

وتذكر كتب السير أن إسلامه كان بعد الحديبية، وأنه التقى بالنجاشي في الحبشة فأقنعه بصدق النبي ﷺ، ثم قدم المدينة مع خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة. وفي أسانيد ذلك خلاف، والقدر الثابت أنه أسلم قبل الفتح بوقت قصير.

وروى الترمذي وأحمد أن النبي ﷺ قال: أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص. والحديث حسّنه بعض أهل العلم، وفي إسناده كلام.

ذات السلاسل

بعث النبي ﷺ عمرًا أميرًا على جيش إلى ذات السلاسل في السنة الثامنة، وقد قيل إنه اختاره لأن أمه من بَلِيّ فأراد تأليف قومها، كما تذكر كتب السير. وروى أبو داود عن عمرو أنه احتلم في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفق إن اغتسل أن يهلك، فتيمم ثم صلى بأصحابه صلاة الصبح. فلما قدموا على النبي ﷺ ذكروا ذلك، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقال: ذكرت قول الله عز وجل: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾، فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا. والحديث رواه أبو داود وصححه الألباني، وعلّقه البخاري.

وفي صحيح البخاري عن عمرو بن العاص أنه قال: بعثني النبي ﷺ على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قلت: من الرجال؟ قال: أبوها. قلت: ثم من؟ قال: عمر. فعدّ رجالًا. وفي هذا الحديث بيان أن عمرًا سأل عن مكانته عند النبي ﷺ، فجاء الجواب بذكر غيره.

وصية النبي ﷺ بأهل مصر

روى مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يُسمَّى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحمًا. وفي رواية: فاستوصوا بأهلها خيرًا. ويشير العلماء إلى أن الرحم هي كون هاجر أم إسماعيل عليه السلام من مصر، والذمة هي أمانهم في العهد.

فتح مصر

بعد وفاة النبي ﷺ استأذن عمرو عمر رضي الله عنه في فتح مصر في خلافته، وتذكر كتب التاريخ، كتاريخ الطبري وفتوح مصر لابن عبد الحكم، أنه سار في نحو أربعة آلاف مقاتل، ثم أُمدّ بالزبير بن العوام وغيره، فحاصر حصن بابليون ثم فتحه، وفتحت الإسكندرية بعد ذلك. وتذكر هذه الكتب أن عمر تردد في أمر الإذن وكتب إلى عمرو: إن أدركك كتابي هذا قبل أن تدخل أرض مصر فارجع، وإن دخلتها فامضِ. وأن عمرًا لم يفتح الكتاب حتى بلغ موضعًا من أرض مصر، ثم فتحه وقال: ألست قد دخلت أرضها؟ فمضى. وهذه الأخبار مشهورة في كتب التاريخ، وفي أسانيدها ضعف، وليست من الثابت عند أهل الحديث. كما أن تحديد أعداد الجيش وتواريخ الفتح مما اختُلف فيه.

الفسطاط

ومما يُروى في تأسيس الفسطاط، أن عمرو بن العاص أمر بنزع خيمته فوجد فيها حمامة قد فرّخت، فقال: لقد تحرمت بجوارنا، أقروها، فأقرّ الخيمة وتركها، ثم لما عاد رحل إلى الموضع وبنى حوله الفسطاط. وهذه من أخبار ابن عبد الحكم والمقريزي وغيرهما، وليست من الصحيح، وأسانيدها غير ثابتة. فنذكرها على سبيل الشهرة، وتبقى دلالتها التقريبية على رحمته بالمخلوقات إن صحت.

الإمارة والفتنة

وليَ عمرو مصر في خلافة عمر ثم في أول خلافة عثمان رضي الله عنهم، ثم عزله عثمان. ثم كان مع معاوية رضي الله عنه في صفين، وفي التحكيم الذي جرى بعدها، وعاد والي مصر من قِبل معاوية. وفي هذه المرحلة اختلفت الروايات التاريخية اختلافًا شديدًا، ومعظم ما يُنقل فيها من أخبار الأخطاء المنسوبة لعمرو أو لغيره لا يثبت، والواجب أن نمسك عما شجر بين الصحابة وندعو لهم بالمغفرة.

الوفاة

توفي عمرو بن العاص في مصر في شوال أو في عيد الفطر سنة ثلاث وأربعين من الهجرة على المشهور، وقيل غير ذلك، وعمره نحو التسعين. وتذكر كتب الطبقات أنه قال عند موته: اللهم أمرتنا فعصينا، ونهيتنا فركبنا، ولا يسعنا إلا مغفرتك. وفي رواية أنه كان يقول: اللهم لا بريء فأعتذر ولا قوي فأنتصر، ولكن لا إله إلا أنت. وهذه الأخبار في الطبقات ومسند أحمد، وفي أسانيدها كلام، وهي مما يُروى بالتحفظ.

سيرة عمرو تجمع بين رجل كان من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ ثم أسلم وقاد الجيوش وفتح مصر، وانتهى بتوبة وخوف من الله.

العبرة

الإسلام يهدم ما قبله، وباب التوبة مفتوح حتى لمن كان من أشد الناس عداوة. وحسن الظن بالله لا يغني عن الخوف منه، والمحاسبة في آخر العمر.

المصدر: صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله (حديث عمرو وابن شماسة)؛ مسند أحمد (حديث أم سلمة في الحبشة)؛ سنن أبي داود: كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؛ صحيح البخاري: كتاب المغازي، غزوة ذات السلاسل؛ صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب وصية النبي ﷺ بأهل مصر (عن أبي ذر)؛ سنن الترمذي ومسند أحمد (أسلم الناس وآمن عمرو)؛ تاريخ الطبري؛ فتوح مصر لابن عبد الحكم؛ طبقات ابن سعد.

الدرجة: الثابت في صحيح مسلم: حديث إسلامه وندمه ووصيته، ووصية النبي ﷺ بأهل مصر. وفي صحيح البخاري: سؤاله عن أحب الناس إلى النبي ﷺ. وحديث التيمم في ذات السلاسل حسن أو صحيح الإسناد عند أبي داود. وحديث أسلم الناس وآمن عمرو حسّنه بعضهم. أما فتح مصر بتفاصيله وكتاب عمر وقصة الحمامة وكلماته عند الموت فمن كتب التاريخ والطبقات بأسانيد ضعيفة أو غير محررة، ونُبّه عليها في النص.