Islamic MixIslamic Mix
‹ سير كبار الصحابة
سير كبار الصحابةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

سعد بن معاذ رضي الله عنه: سيد الأوس الذي اهتز لموته العرش

سعد بن معاذ رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

سيد الأوس

سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأوسي الأشهلي رضي الله عنه، سيد الأوس وزعيم بني عبد الأشهل. وتذكر كتب السير أنه أسلم على يد مصعب بن عمير رضي الله عنه في المدينة قبل هجرة النبي ﷺ، وأنه قال لقومه بني عبد الأشهل بعد إسلامه: كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. فأسلموا جميعًا. وهذه الرواية في سيرة ابن إسحاق، وهي مشهورة، لكنها لا تبلغ درجة الصحيح من حيث الإسناد.

بدر: المشورة

ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ شاور أصحابه حين بلغه إقبال أبي سفيان، فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا. هذا الذي في الصحيح، فهو منسوب إلى سعد بن عبادة. وأما سيرة ابن إسحاق فتنسب إلى سعد بن معاذ كلامًا قريبًا منه، وفيه: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًّا عليها ألا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصِلْ حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت. وهذا مشهور في السيرة، ومن العلماء من جمع بينه وبين رواية مسلم باحتمال أن يكون كلاهما قد قال في مواطن متقاربة.

وتذكر كتب السير أيضًا أن سعد بن معاذ هو الذي اقترح على النبي ﷺ أن يبنوا له عريشًا في بدر يكون فيه، وأن يقف معه حرس. وأنه كان واقفًا بباب العريش متوشحًا سيفه في نفر من الأنصار يحرسون النبي ﷺ. وهذا من ابن إسحاق وليس في الصحيح.

أحد والخندق

يذكر ابن إسحاق وغيره أنه ثبت يوم أحد مع من ثبت حول النبي ﷺ. وأما في الأحزاب فقد ثبت في الصحيحين أنه أُصيب بسهم. روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له ابن العرقة رماه في الأكحل، فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب. فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل عليه السلام وهو ينفض رأسه من الغبار فقال: قد وضعت السلاح! والله ما وضعناه، اخرج إليهم. قال: فأين؟ فأشار إلى بني قريظة. فأتاهم رسول الله ﷺ فنزلوا على حكمه، فردّ الحكم إلى سعد، قال: فإني أحكم فيهم أن تُقتل المقاتلة وأن تُسبى النساء والذرية وأن تُقسم أموالهم.

دعاء سعد

وفي الحديث نفسه عن عائشة أن سعدًا دعا الله فقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذّبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها. فانفجرت من لبّته فلم يرعهم، وفي المسجد خيمة من بني غفار، إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دمًا، فمات منها رضي الله عنه.

حكمه في بني قريظة

في صحيح البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء على حمار، فلما دنا من المسجد قال النبي ﷺ للأنصار: قوموا إلى سيدكم، أو إلى خيركم. فقال: هؤلاء نزلوا على حكمك. قال: تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم. قال: حكمت فيهم بحكم الله، أو بحكم الملك. وجاءت في بعض كتب السير زيادة: من فوق سبعة أرقعة، ولا تثبت بإسناد صحيح.

وقد ناقش العلماء هذه الواقعة في شروح الحديث، وذكروا أن بني قريظة كانوا معاهدين للنبي ﷺ فنقضوا العهد وأعانوا الأحزاب على المسلمين في وقت الحصار، ثم نزلوا بأنفسهم على حكم سعد، فكان الحكم حكم الله كما قال النبي ﷺ. وهو موضع ينبغي أن يُفهم في سياقه الشرعي والتاريخي.

الوفاة وفضائله

توفي سعد بن معاذ سنة خمس للهجرة، وكان عمره نحو سبع وثلاثين سنة على ما تذكره كتب الطبقات. وفي الصحيحين، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ يقول: اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ. ورواه البخاري ومسلم. وقال العلماء في معناه: هو اهتزاز فرح واستبشار بروحه، وقد ورد في روايات أخرى أن العرش اهتز عند موته، فأثبتنا ما ورد في الصحيح دون تأويل مفصل.

وروى البخاري ومسلم عن أنس أن رجلًا أهدى للنبي ﷺ جبة من سندس، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها، فقال: والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا. وفي رواية البراء بن عازب في الصحيحين مثله.

وتذكر كتب السير، ومنها طبقات ابن سعد، أن النبي ﷺ قال: لقد نزل من الملائكة سبعون ألفًا لم ينزلوا إلى الأرض قبل ذلك. ورواه الحاكم وابن حبان في بعض الطرق. وتروي كتب الآثار أنه ضمّه القبر ضمة، وقال النبي ﷺ: لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا سعد. وهذا الحديث رواه أحمد والنسائي وفي إسناده كلام، وقد صححه الألباني بمجموع طرقه.

درس السيرة

من دروس سيرة سعد أن قصر العمر لا يمنع عظم الأثر، فقد كان إسلامه سببًا لإسلام قومه على المشهور، وجهاده ودعاؤه من أسباب نصر المسلمين، وقد شهد له النبي ﷺ بما ثبت في الصحيح.

العبرة

قد تقصر حياة المؤمن ويعظم أثره، وتقديم نصرة الحق على القبيلة والقرابة. والحكم العدل يصدر عن الخوف من الله.

المصدر: صحيح مسلم: كتاب الجهاد، باب غزوة بدر (حديث أنس)؛ صحيح البخاري ومسلم: غزوة الخندق، إصابة سعد وحكمه في بني قريظة (حديث عائشة وأبي سعيد)؛ صحيح البخاري ومسلم: اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ (حديث جابر)؛ صحيح البخاري: مناقب سعد (مناديل سعد في الجنة)؛ سيرة ابن إسحاق؛ سنن الترمذي؛ مسند أحمد وسنن النسائي (ضمة القبر)؛ طبقات ابن سعد؛ فتح الباري.

الدرجة: الثابت في الصحيحين: إصابته يوم الخندق، ودعاؤه، وحكمه في بني قريظة، وقوموا إلى سيدكم، واهتزاز العرش، ومناديل سعد في الجنة، وكلمة بدر المنسوبة إلى سعد بن عبادة. وكلمة بدر المنسوبة إلى سعد بن معاذ، وإسلام بني عبد الأشهل في يوم واحد، وحرسه للنبي ﷺ ونزول السبعين ألف ملك، وزيادة من فوق سبعة أرقعة من السير والمستدرك ولا يصح بعضها. وحديث ضمة القبر يصححه الألباني بمجموع طرقه ويضعفه آخرون. ونُبّه على ذلك في النص.