من الأنصار
أبي بن كعب بن قيس الأنصاري الخزرجي النجاري رضي الله عنه، ويكنى أبا المنذر، من كبار الصحابة الأنصار، وأحد من شهد العقبة الثانية على ما تذكره كتب السير، وشهد بدرًا والمشاهد بعدها. وقد كان من الكتّاب الذين يكتبون الوحي للنبي ﷺ، وتذكر كتب السير أنه أول من كتب للنبي ﷺ في المدينة، وأنه كان يكتب الكتب إلى الملوك. وهذه الأخبار في كتب الطبقات وأسانيدها غير محررة، لكن الثابت أنه كان من كتبة الوحي ومن حفظة القرآن.
الأقرأ بين الصحابة
روى الترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقضاهم علي، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت. والحديث ثبتت أكثر فقراته، وصححه الترمذي في بعض طرقه.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال عمر: أُبيّ أقرؤنا، وعلي أقضانا، وإنا لندع من قول أُبي، وذلك أن أبيًّا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ، وقد قال الله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾. وفي ذلك أن الصحابة كانوا يرون أبيًّا أعلم الناس بالقراءة.
وفي الصحيحين: خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب.
إن الله أمرني أن أقرأ عليك
وفي صحيح البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال لأبي بن كعب: إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة﴾. قال: وسماني؟ قال: نعم. فبكى. وفي رواية قال أنس: فجعل أُبي يبكي.
ذكر العلماء في شرح هذا الحديث فوائد، منها منزلة أبي عند الله ورسوله، ومنها فضل القراءة على أهل العلم، ومنها تواضع النبي ﷺ. وقد استدل به بعضهم على أن الله سمّى أبيًّا لنبيه ﷺ في هذا الأمر، وفيه أعظم الشرف له.
أعظم آية
وروى مسلم عن أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ سأله: يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾. فضرب في صدري وقال: والله ليهنك العلم أبا المنذر.
الأحرف السبعة
وفي صحيح مسلم عن أبي بن كعب قال: كنت في المسجد، فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعًا على رسول الله ﷺ، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه. فأمرهما النبي ﷺ فقرآ، فحسّن شأنهما. فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية. فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقًا، وكأنما أنظر إلى الله فرقًا. فقال لي: يا أُبي، أُرسل إليّ أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن هوّن على أمتي، فرد إليّ الثانية: اقرأه على حرفين، فرددت إليه أن هوّن على أمتي، فرد إليّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف، فلك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها. فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ الخلق كلهم حتى إبراهيم عليه السلام.
وهذا الحديث أصل في مسألة الأحرف السبعة، وفيه أن أبيًّا أنكر على القارئين فرُدّ الأمر إلى النبي ﷺ، فبيّن أن القراءتين من عند الله، وأن في ذلك سعة ورحمة بالأمة.
اللقطة: مئة دينار
وفي الصحيحين عن سويد بن غفلة قال: لقيت أبي بن كعب فقال: وجدت صرة فيها مئة دينار، فأتيت النبي ﷺ فقال: عرّفها حولًا. فعرّفتها حولًا فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته فقال: عرّفها حولًا. فعرّفتها فلم أجد، ثم أتيته ثلاثًا فقال: احفظ وعاءها وعددها ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها. فاستمتعت بها. وقد لقيت أبيًّا بعد بمكة فقال: لا أدري، ثلاثة أحوال أو حولًا واحدًا. وهذا الحديث أصل عند الفقهاء في أحكام اللقطة.
الصلاة على النبي ﷺ
وروى الترمذي وأحمد عن أبي بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه. قال أبي: قلت: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: ما شئت. قلت: الربع؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك. قلت: النصف؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك. قلت: الثلثين؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك. قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذًا تُكفى همك ويُغفر لك ذنبك. وحسّنه الترمذي.
في خلافة عمر وعثمان
جاء في البخاري عن عبد الرحمن بن عبد القاري أن عمر رضي الله عنه خرج ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، فقال: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب. فالحادثة ثابتة، وفيها أن عمر اختار أبيًّا لإمامة الناس في التراويح، وهو يدل على مكانته.
وتذكر بعض الروايات في كتب المصاحف أن أبيًّا كان يُملي على زيد بن ثابت في جمع القرآن، وهي روايات في أسانيدها اضطراب، فلا نجزم بتفاصيلها.
الوفاة
اختُلف في وفاته اختلافًا واسعًا، فقيل في خلافة عمر سنة تسع عشرة أو اثنتين وعشرين، وقيل في خلافة عثمان سنة ثلاثين أو اثنتين وثلاثين. وتذكر كتب الطبقات وأخبار الزهد أنه كان يقول: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة. وهذه المقولة رواها غير واحد من الأئمة بأسانيد فيها ضعف، فهي مشهورة.
عاش أبي في خدمة القرآن، وأعظم ما يُذكر له أن النبي ﷺ قرأ عليه بأمر الله، وضرب في صدره بعد جواب آية الكرسي.
