من هو؟
عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف الزهري القرشي رضي الله عنه، يُكنى أبا محمد. ذكر ابن سعد وغيره أن اسمه في الجاهلية كان عبد عمرو أو عبد الكعبة، فسمّاه النبي ﷺ عبد الرحمن. أسلم قديمًا، فذكر ابن إسحاق أنه أسلم على يد أبي بكر رضي الله عنه قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم، وهو من الثمانية الأوائل الذين سبقوا إلى الإسلام. وهاجر الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وهو أحد العشرة المبشَّرين بالجنة؛ ففي حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه الذي رواه أبو داود والترمذي وغيرهما أن النبي ﷺ عدّ عشرة في الجنة وذكر منهم عبد الرحمن بن عوف، وصحّحه جمع من أهل العلم.
من المهاجر المعدم إلى التاجر الأمين
في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وكان سعد كثير المال، فقال لعبد الرحمن: أقاسمك مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فأطلّقها لك حتى إذا حلّت تزوجتها. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلّوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن. ثم تابع الغدوّ، فجاء يومًا وبه أثر صفرة، فقال له النبي ﷺ: «مهيم؟» أي ما شأنك؟ قال: تزوجت. قال: «كم سقت إليها؟» قال: وزن نواة من ذهب. فقال له: «أولم ولو بشاة». وفي رواية في الصحيح أنه قال: لقد رأيتني ولو رفعت حجرًا لرجوت أن أصيب ذهبًا أو فضة. فالبداية كانت قبولًا لكرامة الأخ دون استجداء، وعملًا بالأسباب، ثم بركة من الله في الرزق.
في ميادين الجهاد
شهد عبد الرحمن بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع النبي ﷺ. وذكر ابن سعد أنه ثبت يوم أحد حين انكشف الناس، وأنه جُرح جراحات كثيرة وأصابه في رجله جرح بقي أثره عرجًا، وسقطت بعض أسنانه، وهذا من أخبار السير التي لا تبلغ درجة الصحيح، لكنها مشهورة عند أهل التراجم.
وأرسله النبي ﷺ في سرية إلى دومة الجندل في شعبان من السنة السادسة للهجرة، فذكر ابن سعد وابن إسحاق أنه عمّمه بيده وأرخى له طرف العمامة، وقال له ما معناه: اغزوا جميعًا في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله، ولا تغلّوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدًا. فدعا القوم إلى الإسلام ثلاثة أيام، فأسلم رأسهم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وتزوج عبد الرحمن ابنته تماضر التي ولدت له أبا سلمة. فكان هذا فتحًا بالدعوة قبل السيف.
صلى النبي ﷺ خلفه
روى مسلم عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه في غزوة تبوك أن النبي ﷺ تخلّف لقضاء حاجته، فجاء فوجد الناس قد قدّموا عبد الرحمن بن عوف يصلي بهم الفجر، وقد صلّى بهم ركعة. فأراد المغيرة أن يؤذنه فنهاه النبي ﷺ، فصلى مع الناس الركعة التي أدرك، فلما سلّم عبد الرحمن قام النبي ﷺ فأتمّ ما سُبق به، ففزع الناس، فقال لهم: «أصبتم» أو «أحسنتم». وفي الحديث منقبة عظيمة له، إذ صلى النبي ﷺ مأمومًا خلفه، وفيه أن الصلاة في أول وقتها أفضل، وأن المسبوق يتم ما فاته بعد سلام الإمام.
لا تسبّوا أصحابي
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء، فسبّه خالد، فقال النبي ﷺ: «لا تسبّوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه». وفيه تنبيه إلى مكانة السابقين بالإسلام والبذل، حتى مع فضل خالد وسيف الله المسلول.
مالٌ يُنفَق
ذكر ابن سعد وغيره في أخبار عبد الرحمن أنه كان من أكثر الصحابة مالًا، وأنه كان يتصدق به ويجهّز الجيوش، وأنه تصدق بقافلة كاملة حين قدمت المدينة، وأوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، وأوصى لكل من بقي من أهل بدر بأربعمئة دينار فأخذها عثمان رضي الله عنه وهو غني. وهذه الأرقام في سندها مقال، فنرويها بقدرها ولا نبني عليها حكمًا. والثابت أن كثرة ماله لم تُلهه عن الله، كما سنرى في بكائه. وجاء عن عائشة رضي الله عنها فيما رواه أحمد وغيره أن النبي ﷺ قال لأزواجه: «إن أمركن لمما يهمني من بعدي، ولن يصبر عليكن إلا الصابرون»، فكان عبد الرحمن يتكفّل بحاجات أمهات المؤمنين ويخرج بهن في الحج، قالت عائشة: سقى الله أباك من سلسبيل الجنة. وفي إسناد هذا الحديث كلام عند بعض أهل العلم، وقد حسّنه آخرون.
بكاء الغنيّ
روى البخاري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه أنه أُتي بطعامه وكان صائمًا، فقال: قُتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كُفّن في بردة إن غُطّي بها رأسه بدت رجلاه وإن غُطّي بها رجلاه بدا رأسه. وأراه قال: وقُتل حمزة وهو خير مني، ثم بُسط لنا من الدنيا ما بُسط، أو قال: أُعطينا من الدنيا ما أُعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عُجّلت لنا. ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام. فهذا الرجل الذي بين أيدينا ثراؤه كان خائفًا أن يكون ثواب أعماله قد عُجّل له في الدنيا، فكان مثالًا في ثراء الشاكر الخاشع.
يوم الشورى
لما طُعن عمر رضي الله عنه جعل الأمر في ستة نفر توفي النبي ﷺ وهو عنهم راضٍ. وفي حديث البخاري الطويل أن عبد الرحمن قال لأصحابه: أيكم يخرج منها نفسه فيتولّى الأمر؟ فلم يجبه أحد، فقال: فأنا أنخلع منها. ثم جعل يستشير الناس ليالي، وروى المسور بن مخرمة أن عبد الرحمن طرق بابه بعد هجعة من الليل في الليلة الثالثة فأيقظه وقال: أراك نائمًا، فوالله ما اكتحلتُ هذه الليالي الثلاث بكبير نوم. ثم بايع عثمان رضي الله عنه وتابعه علي وسائر الناس. فكان رجل الشورى الذي أخذ الأمر بالنصيحة، لا بالهوى.
وفاته
توفي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في المدينة سنة اثنتين وثلاثين للهجرة على أشهر الأقوال، وقد جاوز السبعين، وصلى عليه عثمان رضي الله عنه ودُفن بالبقيع. وبقيت سيرته تقول إن الغنى ليس مذمومًا إذا خلا من الكبر وحسن الإنفاق، وإن أرباح الدنيا لا تثبت للمرء ما لم تُضَف إليها خشية الآخرة.
