Islamic MixIslamic Mix
‹ سير كبار الصحابة
سير كبار الصحابةمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

الزبير بن العوام رضي الله عنه: حواريّ رسول الله ﷺ وسيفه الذي لم يتردد

الزبير بن العوام رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

نسبه ونشأته

الزبير بن العوام بن خويلد القرشي الأسدي رضي الله عنه، يُكنى أبا عبد الله. أمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ، فهو ابن عمة رسول الله ﷺ، وزوجته أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وأخو زوجه عائشة أم المؤمنين، وهو أحد العشرة المبشَّرين بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر رضي الله عنه الأمر شورى بينهم. اختلف أهل السير في سنّه يوم أسلم، فقيل ثماني سنين وقيل ست عشرة، ولا يُجزم بشيء. وذكر أهل التراجم أن عمّه كان يعذّبه ليرجع عن دينه فيلفّه في حصير ويدخّن عليه فيقول: ارجع إلى الكفر، فيقول: لا أكفر أبدًا. وأسانيد هذا الخبر ضعيفة، وإنما يدل على أن إسلامه كان قديمًا ثابتًا. وهاجر الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة.

حواريّ النبي ﷺ

روى البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه قال: ندب النبي ﷺ الناس يوم الخندق، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال النبي ﷺ: «إن لكل نبي حواريًّا، وحواريّ الزبير». والحواري هو الناصر الخالص المخلص، كما قال تعالى عن أنصار عيسى عليه السلام: ﴿قال الحواريون نحن أنصار الله﴾. وكان الندب يومئذ لأن يأتي النبي ﷺ بخبر القوم، ويُنقل في بعض الروايات أن المقصود خبر بني قريظة. وقد قال ابن حجر إن في الحديث تخصيصًا للزبير بهذه الصفة لا ينفي أن لغيره من الصحابة مثلها في وجوه أخرى.

بين بدر وأحد

شهد الزبير بدرًا والمشاهد كلها. وجاء في بعض الآثار عند ابن أبي شيبة وابن سعد أنه كان يوم بدر معتمًّا بعمامة صفراء، وأن الملائكة نزلت على سيماه، وهو مروي بأسانيد مرسلة لا تبلغ الصحيح. وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت لعروة: يا ابن أختي، كان أبواك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، تعني أبا بكر والزبير، وذلك أنه لما انصرف المشركون يوم أحد خشي النبي ﷺ أن يعودوا، فقال: «من يذهب في إثرهم؟» فانتدب منهم سبعون رجلًا فيهم أبو بكر والزبير. وهي غزوة حمراء الأسد، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم﴾.

مع علي والمقداد في كتاب حاطب

وفي الصحيحين عن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها». فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتُخرجنّ الكتاب أو لنلقينّ الثياب، فأخرجته من عقاصها. وكان فيه خبر حاطب بن أبي بلتعة إلى مشركي مكة بتجهّز النبي ﷺ. فكان للزبير حظ من تأمين سرّ الفتح قبل أن يدخل المسلمون مكة.

يوم اليرموك

روى البخاري عن عروة بن الزبير أن أصحاب النبي ﷺ قالوا للزبير يوم اليرموك: ألا تشدّ فنشدّ معك؟ فقال: إني إن شددتُ كذبتم. فقالوا: لا نفعل. فحمل عليهم حتى شقّ صفوفهم فجاوزهم وما معه أحد، ثم رجع مقبلًا فأخذوا بلجامه فضربوه ضربتين على عاتقه بينهما ضربة ضُربها يوم بدر. قال عروة: كنت أُدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير. وفي الرواية أن عبد الله بن الزبير كان معه يومئذ وهو ابن عشر سنين، فحمله على فرس ووكّل به رجلًا. فهذه الآثار في جسده حملها الزبير حياته كلها شاهدةً على ما بذل.

أمانته في ماله

وروى البخاري عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قصة وصية أبيه يوم الجمل، قال: لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه فقال: يا بني، إنه لا يُقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأُقتل اليوم مظلومًا، وإن من أكبر همّي لدَيني، أفترى ديننا يُبقي من مالنا شيئًا؟ ثم قال: يا بني بِع مالنا فاقضِ ديني. وأوصى بثلث ماله، وثلثُ هذا الثلث لأبناء عبد الله. قال عبد الله: فجعل يوصيني بدَينه ويقول: يا بني إن عجزتَ عنه في شيء فاستعن عليه مولاي. قال: فوالله ما دريتُ ما أراد حتى قلت: يا أبت من مولاك؟ قال: الله. قال: فوالله ما وقعتُ في كربة من دَينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقضِ عنه دَينه فيقضيه. وذكر عبد الله أن مجموع ما عليه كان نحو ألفي ألف ومئتي ألف، وأن أصل هذا الدين كان أمانات يودعها الناس عنده فيقول: لا ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة. وأنه لم يتولّ إمارة قط ولا جباية ولا خراجًا ولا شيئًا من ذلك، إلا أن يكون في غزو مع النبي ﷺ أو مع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم. فباع عبد الله الغابة وغيرها، وقضى الدين كله، وبقي من ماله ما قسّمه على الورثة.

الجمل ونهايته

خرج الزبير مع طلحة وعائشة رضي الله عنهم إلى البصرة في طلب القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه، وكان خروجه تأويلًا واجتهادًا لا يريد قتال علي. وتذكر بعض الروايات، منها ما أخرجه الحاكم والبيهقي، أن عليًّا ذكّره بقول النبي ﷺ له: إنه سيقاتل عليًّا وهو له ظالم، فتركه وخرج من المعركة. وفي أسانيد هذه الرواية كلام عند أهل العلم، فلا نجزم بها. المتفق عليه أنه فارق الجمل قبل القتال ومرّ بوادي السباع، فلحقه عمرو بن جرموز فقتله غدرًا وهو يصلي. ويُروى أن عليًّا رضي الله عنه حين جاءه ابن جرموز بسيف الزبير قال: إن هذا السيف طال ما جلا الكرب عن وجه رسول الله ﷺ، وبشّر قاتل ابن صفية بالنار. وفي أسانيد هذا القول كلام، وينقله ابن كثير في البداية والنهاية مع بيان ذلك. وكان ذلك سنة ست وثلاثين للهجرة، وله نحو ستين سنة.

خاتمة

عاش الزبير بين غزوة وغزوة، وبين مال يُنفقه ومال يُؤتمن عليه، فلم يلتفت إلى جاه ولا إمارة. وأصدق ما يُلخّص حياته قول النبي ﷺ فيه: «حواريّ»، وقول ابنه: «يا مولى الزبير اقضِ عنه».

العبرة

من وثق بمولاه كفاه، ومن كان أمينًا على أموال الناس قضى الله دَينه، والنصرة الصادقة للنبي ﷺ تُورَّث ذكرًا حسنًا.

المصدر: صحيح البخاري: الجهاد (حديث الندب يوم الخندق) والمغازي (اليرموك، حمراء الأسد) وفرض الخمس (وصية الزبير ودَينه)؛ صحيح مسلم: فضائل الصحابة؛ مسند أحمد؛ المستدرك للحاكم؛ سنن البيهقي؛ البداية والنهاية لابن كثير؛ الطبقات لابن سعد؛ الإصابة لابن حجر؛ سورة آل عمران (172)

الدرجة: حديث (لكل نبي حواري وحواريي الزبير) وحديث اليرموك ووصيته بدَينه وحديث كتاب حاطب وقول عائشة (أبواك) ثابتة في الصحيحين؛ وخبر عمامته الصفراء مرسل؛ وتعذيب عمّه وقول النبي ﷺ إنه سيقاتل عليًّا وقول علي في ابن جرموز من أخبار فيها مقال، ونُبّه عليها في النص.