Islamic MixIslamic Mix
‹ سير كبار الصحابة
سير كبار الصحابةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: الشهيد الحيّ الذي وقى النبي ﷺ بيده

طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

نسبه وإسلامه

طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي رضي الله عنه، يُكنى أبا محمد، من بني تيم رهط أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو أحد العشرة المبشَّرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد الثمانية الأوائل الذين سبقوا إلى الإسلام على ما ذكره ابن إسحاق. وفي سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد خبر إسلامه أنه كان في سوق بُصرى في الشام فسمع راهبًا يسأل: هل ظهر فيكم أحمد؟ فرجع إلى مكة وسأل، فقيل له: محمد بن عبد الله الأمين قد ظهر، وابن أبي قحافة قد تبعه، فذهب إلى أبي بكر فأدخله على النبي ﷺ فأسلم. وهذا الخبر يُروى في كتب السير بأسانيد لا تبلغ شرط الصحيح، فنعدّه من أخبار السير. وروى الترمذي وغيره أن نوفل بن خويلد، ويُعرف بعدّاد قريش، أخذ طلحة وأبا بكر فشدّهما في حبل واحد، فسُمّيا القرينين. وفي إسناده كلام، وإن كان مشهورًا في كتب التراجم.

غيابه عن بدر

لم يشهد طلحة بدرًا؛ لأن النبي ﷺ بعثه هو وسعيد بن زيد قبل الغزوة يتحسسان خبر العير. فلما رجعا كان النبي ﷺ قد خرج، فتوجّها يلحقان به فلقيا الناس منصرفين، فضرب لهما النبي ﷺ بسهمهما وأجرهما كمن شهدها، كما ذكر أهل السير وابن حجر في الإصابة. ثم شهد أحدًا وما بعدها.

يوم أحد: اليد التي شُلّت

كان يوم أحد يوم طلحة. ففي صحيح البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلّاء، وقى بها النبي ﷺ يوم أحد. وفي صحيح البخاري أيضًا عن أبي عثمان النهدي قال: لم يبقَ مع النبي ﷺ في بعض تلك الأيام التي يقاتل فيهن غير طلحة وسعد، وهو يُحدّث عنهما. وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا ذُكر يوم أحد قال: ذاك يوم كلّه لطلحة. وفيما رواه الترمذي بسند حسن عن جابر أن النبي ﷺ لما كان يوم أحد ظاهر بين درعين، فنهض إلى صخرة فلم يستطع، فقعد طلحة تحته حتى استوى على الصخرة، فقال النبي ﷺ: «أوجب طلحة» أي وجبت له الجنة. وعدّ بعض أهل السير في جسده بضعًا وثلاثين طعنة أو ضربة، وذكر ابن حجر أن في الروايات عدد تسع وثلاثين أو خمسًا وثلاثين، فلا يُجزم بعدد معيّن. وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «من سرّه أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله» رواه الترمذي وابن ماجه، وفي إسناده مقال، وصحّح بعضهم معناه بشواهده.

طلحة الخير

ذكر ابن سعد وابن إسحاق أن النبي ﷺ سمّاه طلحة الخير يوم أحد، وطلحة الفيّاض يوم ذي العُشيرة، وطلحة الجود يوم حنين، وهذه الروايات في أسانيدها ضعف، لكن مضمونها مشتهر عنه في كتب التراجم، فقد كان من أجواد الصحابة. ويروى أن امرأته سعدى بنت عوف دخلت عليه يومًا فوجدته مهمومًا فقالت: ما شأنك؟ قال: مال اجتمع عندي فما أدري كيف أصنع به. قالت: قسّمه. فقسّمه، وكان فيه نحو أربعمئة ألف. وفي هذا الخبر مقال، فنرويه بقدره.

قضى نحبه

روى الترمذي بإسناد حسن عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وطلحة بن عبيد الله حيّ: «طلحة ممن قضى نحبه»، وروى الترمذي أيضًا عن طلحة نفسه أن أصحاب النبي ﷺ قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا يهابونه، فسأله فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض، ثم إني طلعتُ من باب المسجد وعليّ ثياب خضر، فلما رآني النبي ﷺ قال: «أين السائل عمن قضى نحبه؟» قال الأعرابي: أنا يا رسول الله. قال: «هذا ممن قضى نحبه». وهي إشارة إلى قوله تعالى: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلًا﴾ في سورة الأحزاب. قال ابن كثير في تفسيرها: ﴿قضى نحبه﴾ أي وفّى بنذره من الصدق في اللقاء والشهادة، ومنهم من ينتظر، أي ما زال على العهد ما بدّل ولا غيّر. فكان طلحة رضي الله عنه من الذين صدقوا في أحد حتى أُصيب.

في الفتنة

لما قُتل عثمان رضي الله عنه كان طلحة ممن أصابه الحزن العظيم لمقتل أمير المؤمنين، وخرج مع الزبير وعائشة رضي الله عنهم إلى البصرة لطلب القصاص من قتلة عثمان وإصلاح الأمر، لا لقتال علي رضي الله عنه. فالتقى الجمعان في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وكانت الفتنة التي لم يُرد أحد الطرفين وقوعها. وأصاب طلحةَ سهمٌ غرب في ركبته، ذكر أهل السير أن مروان بن الحكم هو الذي رماه، وقد نقل ذلك ابن كثير وابن حجر مع نسبته إلى الروايات المشهورة. فحُمل إلى البصرة ومات بها، وله نحو ستين سنة أو أكثر على اختلاف الروايات. ودُفن هناك.

كلمة الإمام علي

يروي ابن كثير وغيره أن عليًّا رضي الله عنه نفض التراب عن وجه طلحة بعد المعركة وقال: عزّ عليّ أبا محمد أن أراك مجدّلًا تحت نجوم السماء. وفي رواية ابن أبي حاتم وغيره أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله فيهم: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غلّ إخوانًا على سرر متقابلين﴾. وفي أسانيد هذه الأخبار مقال، لكن الذي نعتقده في أهل السوابق ما قرره أهل السنة من الكف عما شجر بينهم، والترضّي عنهم جميعًا، فإن عظيم سوابقهم وجهادهم مع النبي ﷺ لا يُمحى بخطأ في اجتهاد.

خلاصة

عاش طلحة بين وفاء وبذل: وفاء ثابت يوم أحد حتى شُلّت يده، وبذل ماله في سبيل الله. وسيبقى قول أبي بكر رضي الله عنه عنه: ذاك يوم كله لطلحة، شهادة صدق لا يزيدها مرور القرون إلا ثباتًا.

العبرة

الوفاء بالعهد مع الله يُثمر ذكرًا طيبًا وبشارة بالجنة، وفضل السابقين لا يمحوه ما جرى في الفتنة، والواجب الترضي عنهم والكف عما شجر بينهم.

المصدر: صحيح البخاري: المناقب (مناقب طلحة) والمغازي (أحد)؛ سنن الترمذي: المناقب (أوجب طلحة، قضى نحبه، شهيد يمشي)؛ سنن ابن ماجه؛ سيرة ابن إسحاق وابن هشام؛ الطبقات لابن سعد؛ الإصابة لابن حجر؛ البداية والنهاية وتفسير ابن كثير (الأحزاب 23، الحجر 47)

الدرجة: شلل يده يوم أحد وقول أبي بكر (ذاك يوم كله لطلحة) في صحيح البخاري؛ وأوجب طلحة وقضى نحبه عند الترمذي بأسانيد حسنة؛ وخبر راهب بصرى والقرينين وألقابه وتسمية الرامي وكلمات علي من أخبار السير والتراجم بأسانيد فيها مقال، ونُبّه عليها في النص.