من هو؟
خالد بن زيد بن كليب الأنصاري الخزرجي النجاري رضي الله عنه، يُكنى أبا أيوب، وغلبت عليه كنيته. شهد بيعة العقبة الثانية، وشهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، كما ذكر ابن سعد وابن إسحاق وابن حجر. وهو من الأنصار الذين آووا ونصروا، وقد وصفهم الله تعالى فقال: ﴿والذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبّون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾.
الناقة التي بركت عند داره
لما وصل النبي ﷺ إلى المدينة مهاجرًا جعل الأنصار يتعرضون لناقته كل يأخذ بزمامها يريد أن يكون النبي ﷺ في داره، فيقول: «خلّوا سبيلها فإنها مأمورة». حتى بركت عند موضع المسجد بين دار أبي أيوب ودار غيره، كما روى ابن إسحاق، وفي رواية البخاري من حديث البراء أن النبي ﷺ نزل على أخواله بني النجار. ثم احتمل أبو أيوب رحل النبي ﷺ فأدخله بيته، فقال النبي ﷺ: «المرء مع رحله». وكان لأبي أيوب بيت من طبقتين، فاختار النبي ﷺ أن ينزل في الأسفل لسهولة من يأتيه. وذكر ابن إسحاق أن أبا أيوب قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، إني أكره أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو ونكون نحن في السفل. فقال النبي ﷺ: «يا أبا أيوب إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت». قال: فلقد رأيتُنا ليلة انكسر حُبّ لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشّف بها الماء فرَقًا من أن يقطر على رسول الله ﷺ منه شيء فيؤذيه. ثم سأل أبو أيوب النبي ﷺ أن يتحول إلى العلو، فتحول. وهذه الرواية في السيرة النبوية لابن هشام عن ابن إسحاق، وبقيت شهرة بين العلماء.
طعامه وأدبه
روى مسلم عن أبي أيوب رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان إذا أُتي بطعام أكل منه وبعث بفضله إليه، وأنه بعث إليه يومًا بطعام لم يأكل منه لأن فيه ثومًا، فقال أبو أيوب: أحرامٌ هو؟ قال: «لا، ولكني أكرهه». قال: فإني أكره ما تكره، أو قال: ما كرهتَ. ففي الحديث أن الثوم ليس بمحرّم، وأن أبا أيوب كان يجتنب ما يجتنبه النبي ﷺ تأدبًا ومحبة.
من فقهه
روى عنه الصحابة والتابعون أحاديث عن النبي ﷺ، منها ما رواه مسلم عنه ﷺ قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر»، وفي الصحيحين: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرّقوا أو غرّبوا» قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض بُنيت قِبَل القبلة فننحرف عنها ونستغفر الله. فيظهر ورعه واتباعه.
نزلت فينا
وفي سنن الترمذي وأبي داود والنسائي بإسناد صحيح عن أسلم أبي عمران قال: كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد، فأخرجوا إلينا صفًّا عظيمًا من الروم وصففنا لهم صفًّا عظيمًا من المسلمين، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله، يلقي بيده إلى التهلكة! فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس، إنكم تؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرًّا دون رسول الله ﷺ: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله على نبيه ﷺ يرد علينا ما قلنا: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو. فما زال أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دُفن بأرض الروم. وقد استشهد بالحديث ابن كثير في تفسير الآية، وبيّن أن الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة يكون بترك الإنفاق والجهاد، وأن الشجاع الذي يحمل على العدو لا يدخل في ذلك إذا أراد نكاية العدو وطلب الشهادة.
في الفتنة
أقام أبو أيوب رضي الله عنه مع علي رضي الله عنه في خلافته، وذكر ابن حجر أنه شهد معه قتال الخوارج. وكان رضي الله عنه ينكر ما يراه من المنكر ويقول الحق. وفي مسند أحمد والمستدرك أن مروان بن الحكم رأى رجلًا واضعًا وجهه على قبر النبي ﷺ، فقال: أتدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب، فقال: نعم، جئتُ رسول الله ﷺ ولم آتِ الحجر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله». وفي إسناده مقال، وقد صححه بعض أهل العلم، ومعناه: أن عدالة الولاة وأهليتهم أمر عظيم.
مرضه ووصيته ووفاته
خرج أبو أيوب رضي الله عنه في جيش يزيد بن معاوية لغزو القسطنطينية، وهو شيخ كبير، فمرض في الطريق. ويُروى أنه قال لهم: إذا أنا مت فاحملوني فإذا صاففتم العدو فارموني تحت أقدامكم، أو قال: أدخلوني في أرض العدو حتى أكون في أبعد موضع تبلغونه. وجاء في بعض الروايات أنه قال: أريد أن أُدفن تحت أسوار القسطنطينية. وتوفي سنة نحو خمسين أو إحدى وخمسين أو اثنتين وخمسين للهجرة، واختلف في ذلك، ودُفن قرب سور القسطنطينية، كما ذكر ابن سعد وابن عبد البر وابن حجر. وفي كتب المتأخرين قصص عن قبره وعن بناء مزار له وعن الاستسقاء به، وهي أخبار لا تثبت عن الصحابة ولا يُعتمد عليها.
خاتمة
حياة أبي أيوب رضي الله عنه شاهدة على أن من آوى رسول الله ﷺ بيته ثم لم يفارق الجهاد حتى مات غازيًا في سبيل الله يكون قد جمع بين القرب والبذل: داره أول دار نزل بها النبي ﷺ في المدينة، وقبره في أقصى ثغور الدنيا يومئذ.
