Islamic MixIslamic Mix
‹ من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)
من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)مشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

الزلاقة: ابن تاشفين ينقذ الأندلس بعد سقوط طليطلة

يوسف بن تاشفين

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

مقدمة: أندلس ممزقة

بعد سقوط الخلافة الأموية في الأندلس تفرقت البلاد إلى دويلات صغيرة تسمى ملوك الطوائف، كل واحد منها يحكم مدينة وما حولها، وكان بعضهم يستعين بملك قشتالة ألفونسو السادس على إخوانه ويدفع له الجزية. وفي هذا الجو تقدم النصارى من الشمال، فسقطت طليطلة (طليطلة) سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وهي من أعظم مدن الأندلس وعاصمة قديمة، وكان ذلك صدمة كبيرة للمسلمين. وقد ذكر هذه الوقائع ابن الأثير وابن خلدون والمقري في «نفح الطيب» وغيرهم.

الاستنجاد بالمرابطين

اجتمع علماء الأندلس وأمراؤها على طلب العون من أمير المرابطين يوسف بن تاشفين، صاحب مراكش وبلاد المغرب، وكان رجلًا متقشفًا قيل إنه يأكل الشعير ولحم الإبل وألبانها كما تنقل كتب التاريخ، مع التنبيه على أن بعض ما حُكي عن زهده قد يكون مبالغًا فيه. وكان على رأس الذين ألحّوا في الاستنجاد المعتمد بن عباد، صاحب إشبيلية، ويُروى عنه جوابه حين خوفه بعضهم من أن يعبر المرابطون ويستولوا على ملكه، فقال عبارته المشهورة: «رعي الجمال خير من رعي الخنازير»، يعني أن يكون أسيرًا عند المرابطين ويرعى الجمال خير من أن يكون تابعًا للنصارى. وهذه العبارة مشهورة في كتب التاريخ الأندلسي المتأخرة، ولا نجزم بنسبتها حرفيًا.

وفي القرآن الكريم ما يوجّه إلى هذا الأصل، وهو نصرة المسلمين بعضهم بعضًا: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال]. وفسّر المفسرون ذلك بوجوب نصرة المسلمين المستضعفين في الدين.

عبور المرابطين ومعركة الزلاقة

عبر ابن تاشفين المضيق بجيشه إلى الجزيرة الخضراء، ثم اجتمع مع المعتمد وملوك الطوائف، وسار الجميع نحو بطليوس. وكان اللقاء بالزلاقة قرب بطليوس يوم الجمعة، في شهر رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة. وتذكر كتب التاريخ أن ألفونسو راسل المسلمين ليتواعدوا القتال يوم السبت، وأنه أخلف الموعد وباغتهم يوم الجمعة، وأن ابن تاشفين كان قد احتاط وتهيأ. وهذا من أخبار المؤرخين، وفي تفاصيلها خلاف بين المصادر، وإنما الثابت أن الجيش الإسلامي ثبت أولًا ثم نزل المرابطون ضربة حاسمة على المعسكر النصراني. وانتهت المعركة بهزيمة ساحقة لألفونسو الذي فرّ مع قلة من جنده.

وهذا المعنى هو ما ذكره الله في سياق الصبر والثبات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال]، وبيّن ابن كثير في تفسيرها أن الله أمر بالثبات وكثرة الذكر عند القتال.

عودة ابن تاشفين وما بعدها

لم يستغل ابن تاشفين النصر في تلك اللحظة، إذ بلغه خبر وفاة ابنه فعاد إلى المغرب. ثم عاد إلى الأندلس بعد سنوات، وتذكر كتب التاريخ أن أحوال ملوك الطوائف لم تستقم، وأنهم تنازعوا وتحالف بعضهم مع النصارى، فاستفتى ابن تاشفين فقهاء المغرب والمشرق، ويُروى أن منهم أبا حامد الغزالي والطرطوشي، في جواز خلع هؤلاء الملوك وضم الأندلس، فأفتوا بما يصلح الأمر. وهذا الخبر عن فتوى الغزالي والطرطوشي تتفاوت المصادر في إثباته، وبعض المؤرخين المعاصرين يشككون فيه، ولا نبني عليه حكمًا قاطعًا. والمعروف أنه ضمّ الأندلس إلى دولة المرابطين في نحو أواخر القرن الخامس، وأن ذلك أطال عمر الوجود الإسلامي في الأندلس.

دروس العبرة

في هذه الحادثة نتعلم أن الفرقة تضعف الأمة، وأن الاستنجاد بالمسلمين خير من التبعية لأعدائهم، وأن النصر يأتي بالثبات والتوكل. ومما ينبغي التنبيه عليه أن المعتمد بن عباد نفسه انتهى أسيرًا في أغمات بالمغرب بعد زوال ملكه، وهذا مما يُذكر في كتب الأدب والتاريخ، وفيه عبرة في تقلب الدنيا، وليس فيه حكم شرعي مقطوع به لأن الحكم على النوايا لله.

رسالة الإنذار وأسلوب الدعوة قبل القتال

تذكر بعض كتب التاريخ أن ابن تاشفين كتب قبل المعركة إلى ألفونسو يخيّره بين الإسلام أو الجزية أو القتال، وأن ألفونسو أجابه بجواب فيه تكبّر. وهذا الخبر منقول في كتب المتأخرين ولا نجزم بنصه. وهو موافق لما ثبت في صحيح مسلم من حديث بريدة رضي الله عنه في وصية النبي ﷺ لأمراء السرايا بأن يدعوا العدو أولًا إلى الإسلام، فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا استعانوا بالله وقاتلوهم. ومن المعروف أن هذه الوصية تتعلق بالجهاد الطالب، أما في حال العدوان على بلاد المسلمين فالدفاع واجب على الجميع كما قرره الفقهاء.

أثر النصر على مصير الأندلس

يؤكد المؤرخون أن الزلاقة لم تُنهِ الخطر النصراني نهائيًا، لكنها أخّرت سقوط الأندلس زمنًا طويلًا، فقد سقطت غرناطة آخر معاقل المسلمين سنة سبع وتسعين وثمانمائة، أي بعد أكثر من أربعة قرون من الزلاقة. وفي هذا درس كبير: أن دفع الخطر يؤخر الهلاك ولا يلغيه إذا لم تُعالج أسباب الضعف الداخلي، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد]. وهذا حكم عام في سنن الله في الأمم، بيّنه المفسرون كالطبري وابن كثير.

بيان الدرجة

سقوط طليطلة، واستنجاد أهل الأندلس بالمرابطين، وعبور ابن تاشفين، ووقعة الزلاقة سنة 479 هـ أخبار ثابتة مشهورة. وعبارة «رعي الجمال خير من رعي الخنازير» مشهورة في كتب التاريخ المتأخرة ولا يُجزم بحرفيتها، وكذلك أخبار زهد ابن تاشفين، وفتوى الغزالي والطرطوشي مختلف في ثبوتها، وقد تركنا الأعداد لتضارب الروايات.

العبرة

الفرقة تُسقط المدن، والاستعانة بالمسلمين خير من الذلّ لعدوهم، والنصر بالثبات وذكر الله.

المصدر: الكامل لابن الأثير وتاريخ ابن خلدون ونفح الطيب للمقري في حوادث سنة 478 و479 هـ؛ القرآن الكريم: سورة الأنفال (نصرة المستنصرين في الدين، والثبات عند اللقاء).

الدرجة: أصل الأحداث ثابت مشهور في كتب التاريخ، وأما عبارة المعتمد بن عباد وزهد ابن تاشفين وتفاصيل الاستعداد للمعركة وفتوى الغزالي والطرطوشي فمن أخبار المؤرخين ولا يجزم بها