Islamic MixIslamic Mix
‹ من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)
من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)موثّقمدة القراءة نحو ٥ دقائق

الغزالي: أزمة الشك وخروجه من بغداد إلى طريق اليقين

أبو حامد الغزالي

مقدمة: إمام في قمة الشهرة

وُلد أبو حامد محمد بن محمد الغزالي في طوس سنة خمسين وأربعمائة، وتلقى العلم على أئمة عصره، منهم إمام الحرمين الجويني في نيسابور، وبرع في الفقه الشافعي والأصول والكلام والجدل. واستدعاه الوزير نظام الملك إلى بغداد، فتولى التدريس في المدرسة النظامية سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وصار من أشهر علماء زمانه يحضر دروسه الكبار والأمراء. وهذه سيرته كما ذكرها تلاميذه ومترجموه كالذهبي والسبكي، وأوضح مصدر لسيرته الباطنية كتابه «المنقذ من الضلال» الذي كتبه بنفسه في آخر حياته.

أزمة الشك

يروي الغزالي في «المنقذ» أنه منذ شبابه كان يطلب الحقيقة، وأنه تنقل بين طلب الفقه والكلام والفلسفة ومذهب الباطنية والتصوف. ويذكر أنه دخل في شك عميق حتى في المحسوسات والعقليات، فتساءل: بم أثق في أن ما أراه حقيقة؟ ثم يقول إن الله شفاه من ذلك بنور قذفه في صدره، لا بدليل منظّم ولا بكلام مرتب، وهو يعبّر عن ذلك بأن مفتاح أكثر المعارف هو ذلك النور. وهذه شهادة شخصية من الغزالي عن تجربته، ولا يمكن التثبت منها من خارجه، ومن علماء السلف من عاب عليه ما فيها من تعظيم الكشف والتجربة، وسيأتي في قصة «الإحياء» شيء من ذلك.

لحظة الانقلاب

ثم يذكر الغزالي أنه نظر في حاله في التدريس فوجد أن نيته ليست خالصة لله، وأن أكثر ما يحركه طلب الجاه والذكر، فاضطرب قلبه أشهرًا يتردد بين شهوات الدنيا وداعي الآخرة. ثم أصابه أمر يقول إنه اعتقال في لسانه فلم يستطع التدريس، وحزن لذلك، وطلب الأطباء فعجزوا عن علاجه وقالوا إن العلة في القلب. فعزم على ترك بغداد، وأظهر للناس أنه يريد الحج، وهو يريد في الباطن الشام، حتى لا يعلم الخليفة وأصحابه فيمنعوه. وكان ذلك في نحو سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وعيّن أخاه نائبًا في التدريس، وفرّق ماله إلا ما يكفي عياله.

سنوات العزلة

دخل الغزالي دمشق وأقام فيها مدة يتعبد في الجامع الأموي، ثم ذهب إلى بيت المقدس وأقام فيه، ثم زار قبر الخليل عليه السلام، ثم حجّ ورجع إلى طوس. ويذكر في «المنقذ» أنه مكث نحو عشر سنين في عزلته وسياحته، وأنه تبيّن له في هذه المدة أمور لا تُحصى، لكنه لا يفصّل. وفي هذه الفترة ألّف كتابه الأشهر «إحياء علوم الدين» كما يذكر مترجموه.

وفي القرآن الكريم ما يعين على فهم هذا المعنى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد]، وفسّره الطبري وابن كثير بأن المؤمنين يُحثّون على الخشوع واللين لذكر الله. وكذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فصلاح القلب هو مدار الأمر، وقد جعل الغزالي همّه فيه.

العودة إلى التدريس

عاد الغزالي في نحو سنة تسع وتسعين وأربعمائة إلى التدريس في نيسابور بإلحاح من الوزير فخر الملك، ثم رجع إلى طوس وأنشأ بجوار بيته مدرسة وخانقاه، وتوفي في الرابع عشر من جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة. ويذكر بعض المترجمين، ومنهم من نقل عن ابن الجوزي، أنه كان في آخر حياته مشتغلًا بالحديث، حتى قيل إنه مات والبخاري على صدره، وهذا الخبر لا إسناد له وغاية ما فيه أنه مشهور عند المترجمين، فنذكره على سبيل الحكاية فقط.

بين الإنصاف والنقد

لا بد من الإنصاف في الحكم على الغزالي: فقد كان ذكيًا عظيم الأثر، رد على الباطنية والفلاسفة، وكتب في الفقه كتبًا استقرت في المذهب الشافعي مثل «الوجيز» و«الوسيط»، وكتب في التزكية. وفي المقابل، فقد انتقده علماء كبار على إدخاله ألوانًا من التصوف والفلسفة في بعض كتبه، وعلى ضعف بضاعته في الحديث كما اعترف هو نفسه، فقد نُقل عنه قوله: «بضاعتي في الحديث مزجاة»، وهي عبارة تنسب إليه في كتب التراجم. وقال الذهبي في سيره بما معناه إنه إمام عظيم لكنه شُغل بالفلسفة ثم رجع، وفي كلامه إنصاف ونقد معًا. والموقف الوسط هو الاستفادة من علمه مع التمييز بين الصحيح والضعيف.

أصناف الطالبين في المنقذ

بيّن الغزالي في «المنقذ» أن الطالبين للحق في عصره أربع فرق: المتكلمون، والباطنية، والفلاسفة، والصوفية. فأما المتكلمون فرأى أن علمهم يصلح للدفاع عن العقيدة أمام المبتدعة لكنه لا يوصل إلى اليقين الذي طلبه. وأما الباطنية فناقش دعواهم أن الحق لا يُعرف إلا من إمام معصوم، وألّف في الرد عليهم. وأما الفلاسفة فقسّم علومهم، ثم حكم بتكفيرهم في ثلاث مسائل: القول بقِدَم العالم، وأن الله لا يعلم الجزئيات، وإنكار حشر الأجساد، كما ذكر في «تهافت الفلاسفة»، وردّ عليه ابن رشد لاحقًا في «تهافت التهافت». وهذه المسائل موضع جدل بين العلماء من حيث صحة الحكم على الأعيان، لكن بطلان تلك الأقوال في ذاتها مما اتفق عليه أهل السنة. وأما الصوفية فرأى أن طريقهم يجمع العلم والعمل، فسلكه وتأثر به.

وقد ذكر العلماء بعده أن الغزالي لم يسلم من الأخطاء في هذا الطريق، وأن ما ذكره من الكشف والذوق لا يُجعل ميزانًا للحق، فالميزان هو الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء].

بيان الدرجة

أحداث حياة الغزالي (ولادته، تدريسه في النظامية، خروجه من بغداد، إقامته في دمشق والقدس، عودته، وفاته) ثابتة مشهورة في كتب التراجم. وما رواه عن نفسه من أزمة الشك واعتقال اللسان وإخلاص النية مصدره كتابه «المنقذ»، وهو اعتراف شخصي لا يقبل التحقق من خارجه. والحكاية عن موته والبخاري على صدره لا أصل لها بإسناد، وأما الحكم على أفكاره ففيه خلاف بين العلماء قديمًا.

العبرة

التجرد لله في العلم والعمل أصل الصدق، وتصحيح النية قد يغير مسار العالم كله، ومع ذلك لا يُعصم أحد من الخطأ فيُؤخذ الحق ويُترك غيره.

المصدر: المنقذ من الضلال للغزالي؛ سير أعلام النبلاء للذهبي (ترجمة الغزالي)؛ طبقات الشافعية الكبرى للسبكي؛ القرآن الكريم: سورة الحديد؛ صحيح البخاري ومسلم: حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما في أن في الجسد مضغة.

الدرجة: ثابت في كتب التراجم والسير في جملته؛ وأزمة الشك واعتقال اللسان مروية من الغزالي نفسه في المنقذ ولا تتحقق من غيره؛ والحكاية عن موته والبخاري على صدره لا إسناد لها